ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

لماذا يفكر شباب مصري في الانتحار؟

ريهام مازن

ريهام مازن

الإثنين 05/أغسطس/2019 - 11:08 ص
في الحقيقة، استوقفتني، بل روعتني حادثة شاب مصري أقدم على الانتحار هربًا من الزواج.. حيث أقدم شاب مصري في العقد الثالث من العمر على الانتحار شنقًا، داخل مسكنه، هربًا من إلحاح أسرته الدائم عليه بالزواج.

وأشارت التحريات الأولية إلى قيام الشاب إسلام (22 عاما)، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، ومقيم بدائرة قسم ثاني العاشر من رمضان، على الانتحار تخلصًا من إلحاح أهله عليه بالزواج، كونه ابنهم الوحيد.

وأكدت التحريات أيضًا، أن الشاب كان يعيش بمفرده، وليس في مسكن والديه، وأنه رفض أكثر من مرة فكرة الارتباط بفتاة، فيما أشار مقربون منه، إلى أنه كان يسعى للعمل وتحقيق مستقبل باهر في البداية.

ومنذ أيام قرأت أيضًا عن شاب أقدم على الانتحار عقب ظهور نتيجة الثانوية العامة، لمجرد أنه لم يحقق الأرقام التي تؤهله لدخول الجامعة التي كان يرجوها.

بالنظر إلى هاتين الواقعتين، والتي لم يمر بينهما أكثر من بضعة أيام، نجد أن هذا الشاب أو ذاك من المجدين والمجتهدين في الدراسة.. ومثل هاتين الحالتين، بالتأكيد هناك حالات أخرى لم نقرأ أو نسمع عنها، لمجرد أنها غابت عن مرأى أو مسمع الإعلام، أو ربما لم يصل إليها.

وقبل أن أخوض في قراءة سلوكيات هؤلاء الشباب أو تفنيدها، لا بد في البداية، أن نعترف أنها ظواهر غريبة على المجتمع وليست الأغلبية.. إلا أن أعيننا لابد أن تكون يقظة، وندرك أن هناك خطرًا ربما يحيكُ بأبنائنا قد لا نراه وربما لم يستشعره البعض.

من الواضح أن هناك غيابا للوازع الديني في المرتبة الأولى، فإذا كان هؤلاء الفتيان ممن يخشون ربهم، فسيعلمون أن المؤمن، (وليس المسلم فقط) دائمًا مصاب، فيختبره الرحمن ببعض الابتلاءات، لذلك، فمهما ضاق صدرهم، سيرجعون إلى ربهم لينجيهم من تلك المحن أو المصائب التي قد يتعرضون لها، بل ويتعلمون الصبر "إن الله مع الصابرين"، "واصبر لحكم ربك".. إلا أن هذه اللغة "لغة الانتحار" لا تظهر سوى البعد عن الله والتشاؤم وانسداد الأبواب أمام الإنسان، الذي هو فاقد الثقة في الله، لأنه ضعيف وقلبه ليس بسليم.

أما الأمر الثاني، هو أننا لا ننكر أن هؤلاء الشباب يتعرضون لضغوطات شديدة، لم يمر بها أجيالنا، وأهمها تحدي إثبات الذات والقدرة على العمل، فالمنافسة بين هذه الأجيال أصبحت شرسة، خاصة في ظل العولمة والانفتاح، واتساع المدارك والأفق لمعظم الطلاب، وفي ظل الأعداد الضخمة من الخريجين.. والفجوة الشديدة التي أصبحت بين الطالب والمعلم، فالمعلم أو الدكتور لم يعد لديه الوقت أو الجهد للتطلع إلى طلبته أو يحاول فهم شخصياتهم أو يساعدهم، فهو بالكاد يعرف "كام" إسم في الصف التعليمي، أما بالأمس فالمعلم كان نبراسًا لأجيالنا ونتذكره إلى الآن بل ونحلف بحياته.

الأمر الثالث والأخير، وهو بالطبع السبب الرئيسي، هو كيان الأسرة، فأين الوالدين الآن وأين الأسرة؟

مع الأسف، الأسرة عليها عامل كبير، فإما أن يكون الأهل ميسوري الحال، فيفرطوا في تدليل أبناءهم، خاصة إذا كانوا يعملون في الخارج، فيعتقدون أنهم بمجرد أن يغدقوا على أبناءهم بالأموال، فهذا ما سيعوضهم عن غياب أحد والديهم، وربما الأب والأم يعملون والأبناء يجلسون مع الجدة المسنة التي لا تستطيع تحمل ما فوق طاقتها أو يجلس الأبناء بشقة بمفردهم في بعض الأحيان، ما قد يفسح المجال لكثير من الأشياء أهمها الانحراف عن الطريق القويم.. فوجود الأب والأم معًا أمرٌ في غاية الأهمية لتنشئة أسرة سليمة ونشئ سليم ومعافى.. أحيانًا نرى الأب والأم موجودون في حياة أبناءهم، لكنهم في الحقيقة غير موجودين، فالأب أو الأم، لا يتسع وقتهما لأبنهما أو ابنتهما، فلا يوجد نقاش أسري حول أي قضية، وبالتالي وجودهم مثل عدمه.

نعلم أن الحياة صعبة، ومليئة بالتحديات.. لكن أهم تحدي يواجهنا نحن الآباء، هو تربية نشئ صالح، على دراية بأمور دينه وتعاليم ربه، مثقف وواعي، يستطيع أن يفرق بين الخطأ والصواب وعلى درجة كبيرة من الوعي والإدراك.. ولا مانع من استشارة طبيب نفسي موثوق فيه، إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة، وما خاب من استشار وحتى لا يقع ما لا يحمد عُقباه.

من كل قلبي: لا يوجد أهم من فلذة أكبادنا.. فقد يدفع البعض منا ثمنًا لا يقدر بمال إذا خسر أحد أبناءه، فيذرف بدلًا من الدموع دمًا.. لابد أن نقترب من أبناءنا ونعلمهم المسئولية والاعتماد على النفس والثقة بالنفس.. وأقول لنفسي ولكم فلنتقِ الله في أبناءنا ولنربيهم على طاعة الله وحبه والثقة فيه، والأهم من ذلك الحوار مع أبناءنا، فهو مفتاح الفرج بإذن الله.. وقانا وإياكم شر الفتن ولا أرانا في أبناءنا سوءًا أو مكروه.