فى محافظة الجيزة وتحديدًا في 208 شارع السودان –المهندسين – الجيزة ، عاش الفنان المطرب الراحل محمد عبد المطلب ، الذى وثق جهاز التنسيق الحضارى منزله، من خلال وضع لافتة على باب العقار، توضح تاريخ الميلاد: 13/08/1910 مكان الميلاد:شبراخيت بمحافظة البحيرة ، وتاريخ الوفاة 21/08/1980 .
يأتى ذلك فى إطار مواصلة مشروع "عاش هنا"، أحد أهم المشروعات التي يشرف عليها جهاز التنسيق الحضاري التابع لوزارة الثقافة، جهوده في توثيق المباني والأماكن التي عاش فيها الفنانون والسينمائيون وأشهر الكتاب والموسيقيين والشعراء وأهم الفنانين التشكيليين والشخصيات التاريخية، التي ساهمت في إثراء الحركة الثقافية والفنية في مصر عبر تاريخ مصر الحديث.
ولد محمد عبد المطلب يوم 13 أغسطس عام 1910 فى قرية شبراخيت وكان ينتمى لأسرة فقيرة، وكمثله من أولاد القرية انضم إلى الكتاب ليتعلم القراءة والكتابة ويحفظ القرآن وفى الكتاب اكتشف شيخه صوته القوى فتولاه وثابر على تدريبه وتعليمه مخارج الحروف، وذلك ليتمكن من قراءة القرآن وعلى الرغم من أنه لم يكمل تعليمه فى الكتاب نظرا لفقره الشديد إلا أنه تعلم ما يكفيه ليشق طريقه، وسرعان ما اكتشف محمد عبد المطلب حبه الفطرى للموسيقى والغناء واكتشف صوته الجميل ذو الطبيعة المتميزة.
وبدأ يستمع عبر "الجرامافون" الذى يتواجد فى مقهى القرية إلى أسطوانات مشاهير مطربى تلك الفترة مثل عبد اللطيف البنا وعبد الحى حلمى وصالح عبد الحى، وبدأ عبد المطلب مشواره الفنى ككوراس مع الموسيقار داوود حسنى حيث تعلم أصول الغناء والمقامات الشرقية ،انتقل عبد المطلب إلى القاهرة ليبحث عن فرصته، وذلك فى شهر أكتوبر 1925 وكأمثاله من أبناء الريف المصرى أدهشته القاهرة بكبرها وزحمتها لدرجة أنه تاه فى حواريها وتعرض لحادث أثناء ركوبه الترام لأول مرة فأصيب بجرح فى رأسه وكاد أن يقرر العودة، ولكن إصراره على النجاح جعله يتغلب على خوفه من المجهول، فاستأجر غرفة فى اللوكاندة العثمانية.
اشتد ضغط الحياة على عبد المطلب فاضطر إلى الذهاب لمكتب الموسيقار محمد عبد الوهاب للبحث عن فرصة وبالفعل ضمه إلى فرقته كمذهبجى سنيد ومن يستمع إلى أغانى محمد عبد الوهاب لما أنت ناوى، ومن عذبك، وليلة الوداع، لابد أن يميز صوت "عبد المطلب" العريض ، وبعد فترة بدأ موسيقار الأجيال تصوير فيلم الوردة البيضاء ووعد والدى بأن يأخذه معه إلى باريس لتصوير المشاهد الخارجية ولكنه لم يفى بوعده"، فغضب محمد عبد المطلب وترك فرقة محمد عبدالوهاب والتحق بفرقة داوود حسنى ، ولكن لم يستمر بها طويلا حتى اصبح عاطلا.
كان محمد عبد المطلب يجلس خلال هذه الفترة فى مقهى بشارع محمد على يضم الفنانين والكومبارس، وكان رفيقه الفنان فريد الأطرش الذى كان قادما من جبل الدروز بسوريا وكان أيضا عاطلا عن العمل، كان محمد عبد المطلب وفريد الأطرش يقتسمان سندوتش الفول وخمسينة الشاى،حتى أخبرهما صاحب المقهى يوما بأن الست بديعة مصابنى تحتاج كورس لفرقتها، فذهبا سويا لكازينو بديعة، وبالفعل عملا لديهاوكان وقتها إبراهيم حمودة مطرب الفرقة"
واستغل المنتج توجو مزراحى نجاح محمد عبد المطلب فانتج له فيلم "على بابا والأربعين حرامى"، الذى ظهر فيه الرئيس السادات ضمن الكومبارس وكان اسمه على التيتر "الساداتى".
شد صوت محمد عبد المطلب انتباه العملاق محمود الشريف بصوته وطريقته المميزة فى أداء الموال الشعبى، فقرر أن يلحن له واختار كلمات للشاعر الغنائى عثمان خليفة هى أغنية "بتسألينى بحبك ليه" وبعدها توالت الأعمال ومنها "ودع هواك وانسانى"من كلمات محمد على أحمد و"اسأل مرة عليا" و"بياع الهوى راح فين" و"يلى سقيتنى الهوى" والكثير من الأغانى التى ستعيش أبدا .
بعد أن تحسنت أحواله المعيشية قرر عبد المطلب الدخول فى مجال السينما فجرب الإنتاج السينمائى، ولكنه فشل وخسر كل ما جمعه من أموال فى فيلم "الصيت ولا الغنى" فقرر اعتزال الفن نهائيا، ولكن محمود الشريف ظل يقنعه بالعودة للغناء إلى أن تم له ذلك، وعاد عبد المطلب عن قرار الاعتزال وبعدها قدم مجموعة من أجمل الأغانى مع كبار الشعراء والملحنين منهم موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب والملحن الكبير كمال الطويل الذى تعاون معه فى أشهر ما غنى طلب وهى أغنية "الناس المغرمين".
والملحن الكبير رياض السنباطى قدم معه أغنية "شفت حبيبى"، وتعاون مع الفنان الراحل محمد فوزى فى أغنية "ساكن فى حى السيدة" التى تعتبر علامة فى تاريخ عبد المطلب، لم يقتصر عبد المطلب على الغناء الشعبى فقد غنى عشرات الأغانى المختلفة منها أغنيته الشهيرة "رمضان جانا" الذى لم تتوقف المحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية عن بثها فى رمضان من كل عام حتى يومنا هذا حيث قادته الصدفة إلى أداء أغنية رمضان جانا، فبعد أن أُسندت الأغنية إلى الفنان أحمد عبد القادر صاحب أغنية "وحوي يا حوي"، رفضت الإذاعة المصرية، وقررت إسناد الأغنية إلى الفنان الشعبي محمد عبد المطلب لأنه كان في ضائقة مالية وكان يحتاج لأموال، وحصل «عبد المطلب» مقابل غنائه لها على 6 جنيهات وبعد نجاحها قال في أحد لقاءاته النادرة: «لو أنني أخذت جنيهًا واحدًا على كل مرة تذاع فيها الأغنية لأصبحت مليونيرًا .
ويقول الإذاعي الراحل وجدي الحكيم أن عبد المطلب "حصل على 6 جنيه مقابل آداء هذه الأغنية لإنه كان محتاج لهم ومزنوق في المبلغ ده".
قال محمد عبد المطلب في لقاء تليفزيوني معه على إحدى الشاشات العربية عام 1974م، إنه كان يقرأ الفاتحة كلما مر بالقرب من مسرح بالإسكندرية قدم عليه أغنية "بتسأليني بحبك ليه" في بداية حياته الفنية، لأنه نفس المسرح الذي شهد رفض الجمهور له في بداية مشواره وطلبوا منه النزول، وبعد مرور سنوات بعد أن ذاع صيته عاد إلى نفس المسرح واستمع له الجمهور وصفقوا لنفس الأغنية التي رفضوا سماعها من قبل، وبات جمهور الإسكندرية من كبار جماهيره، فأخذ يقرأ الفاتحة كلما مر بالمكان تعبيرا عن الشكر لله عما وصل إليه.
أكد بهاء نجل الفنان الراحل محمد عبد المطلب فى لقاء إذاعى : أن والده كان مصمما على إبعادنا عن طريق الفن، وكان يخبرنا أن الشهرة صعبة والفن عشان حد يوصل فيه صعب" مشيرا إلى أنه أراد أن يهتموا بالتعليم أكثر.
وأضاف بهاء أن والده محمد عبد المطلب لم يتزوج 4 مرات مثلما أشيع، مفسرا تعدد زيجاته، قائلا: "كل فنان في عصره يعجب بأي شخصية من الشخصيات النسائية فكان يتزوجها، لذا أطلق عليه متعدد الزواج"، فقد تعرف فى إحدى سفرياته إلى بيروت على عائشة عز الدين أو "شوشو عز الدين" شقيقة الراقصة ببا عز الدين ونشأت بينهما قصة حب وتزوجها عام 1938، ولم يكن عمرها وقتها تجاوز 16 عاما ، وأنجب منها التوأم "نور وبهاء" عام 1940.
سافر عبد المطلب مع شريكه سعيد مجاهد إلى بغداد عام 1943 فى جوله فنية طويلة نظرا لحالة الكساد بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، وبقى هناك مايقرب من 4 سنوات تعرف خلالها على المطربة نرجس شوقى وتشاركا فى تأسيس شركة إنتاج وتزوجا لبضعة شهور، وأنتجا معا فيلم "الصيت ولا الغنى" واشتركا فى بطولته ولكن وكما أكد الابن سقط الفيلم وخسر كل ما ربحه وعاد الى القاهرة ولم تتجاوز فترة زواجه من نرجس فترة تصوير الفيلم وقد كانت مغربية الأصل.
تزوج للمرة الثالثة من أخر زوجاته السيدة كريمة عبدالعزيز شقيقة زوجة صديق عمره محمود الشريف ، وأنجب منها انتصار عام 1955 وسامية عام 1958 ، وماتت ابنته انتصار فى شبابها عام 1979وقبل زفافها وكانت وفاتها أحد اسباب وفاة والدها.
وأشار نجل الفنان الراحل إلى أن محمد عبد المطلب لم يكن مهتما بالسياسة أو الحديث عنها لكنه كان يحب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
واوضح نجل الفنان محمد عبد المطلب فى إحدى حواراته الصحفية السابقة أن ثورة يوليو انقذتت والده من الاعتقال قائلا: "من أصعب المواقف التى تعرض لها طلب فى بداية الخمسينات عندما عرف من سليمان بك نجيب الذى كان مدير للأوبرا الملكية أن الديوان الملكى حذف اسمه من حفل كان سيقام فى الأوبرا، فغضب طلب وتفوه بألفاظ قاسية فى حق مدير الديوان الملكى، وصدرت الأوامر للقلم السياسى باعتقاله، ولكن الاميرالاى أنسى الهجرسى أبلغ طلب بضرورة الاختباء وعدم الذهاب إلى الكازينو أو إلى منزله لأن المخبرين ينتظرونه، فاختبأ طلب عند أخته"
وتابع الابن : شاءت الأقدار أن تقوم ثورة يوليو فى هذا التوقيت وجاء إلى منزلنا بالحلمية الأميرالاى أحمد أنور قائد الشرطة العسكرية، واليوزباشا علوى حافظ من الضباط الاحرار وسألوا على طلب وأبلغونا بإلغاء أمر الاعتقال ، فخرجت معهم بالبيجامة إلى منزل عمتى وقابلوا طلب وأبلغوه"
وأضاف: “كان والدى لا يحب أن يهدده أي شخص في لقمة العيش، وكان عصبيًا جدًاا ويخشى الحسد، وفي مرة اقتحم المسرح على المونولوجست سيد ملاح وأوشك على ضربه لأنه قلده بطريقة ساخرة”.
في يوم 21 أغسطس 1980، رحل الفنان محمد عبد المطلب عن عمر يناهز 70 عامًا، تاركًا وراءه تراثًا ضخمًا من الأغاني والأفلام السينمائية لتكون مدرسة في تاريخ الفن الأصيل .
جدير بالذكر أن مشروع "عاش هنا" يتم بالتعاون مع الجهات والمؤسسات الفنية، ويستعان خلالها بالمُهتمين بتوثيق التراث الثقافي والفني في مصر لتدقيق المعلومات والبيانات التي يتم تجميعها.