ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

الخيارات اللغوية وتأثيراتها في مكافحة التطرف.. تقرير جديد لمرصد الأزهر

الخميس 14/يناير/2021 - 12:26 م
صدى البلد
Advertisements
محمد شحتة
تابع مرصد الأزهر لمكافحة التطرف خلال شهر ديسمبر الماضي خبرًا نشره تنظيم "داعش" الإرهابي، على إحدى أبواقه الإعلامية الناطقة باللغة التركية جاء في تفاصيله حديث عن عمليات إرهابية شنَّها التنظيم في مناطق مختلفة من العالم ضد من زعم أنهم: كافرون ومرتدون.

وما يهمنا في هذه المتابعة هو وصف التنظيم الإرهابي لنفسه بـ"الدولة"، وما يقوم به من عمليات إرهابية بـ"بالجهاد". وهذا يُفرض علينا سؤالان، الأول: هل "داعش" تنظيم أو دولة؟ والثاني: هل ما يقوم به هذا التنظيم جهاد أو لا؟

هل "داعش" تنظيم أو دولة؟
إذا نظرنا إلى مفهوم الدولة بمعايير القانون الدولي، نجد أنه يشترط توافر عنصرين مهمين لكي يُعترف لوحدة ما بالشخصية القانونية الدولية. هذان العنصران هما: أن تكون تلك الوحدة تمتلك القدرة على إنشاء قواعد قانونية دولية بالتراضي مع غيرها من الوحدات المناظرة. العنصر الثاني: أن تكون تلك الوحدة مخاطبة بأحكام القانون الدولي العام، أي تتمتع بأهلية اكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات. ولقد كانت الدولة هي الوحدة الوحيدة للقانون الدولي حتى عام 1949، الذي أضيفت فيه المنظمات الدولية كوحدات أخرى بموجب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في السنة سالفة الذكر. وهذان العنصران لا يتوافران في الدولة المزعومة لتنظيم "داعش" الإرهابي، ومن ثمَّ فإنه ليس دولة.

كما أنه وفقًا للقانون الدولي يشترط لقيام أيِّة دولة أن يكون لها حدود واضحة، ومواطنون يعيشون على أرضها، وحكومة تديرُ شؤونها. إذنْ، وفقًا لهذا المفهوم تكون هناك ثلاثة أركان للدولة، "أرض، شعب، سيادة". ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي هذه العناصر لقيام دولة ما؟ الإجابة: لا؛ لأن هناك إجراء آخر يجب توافره حتى تنشأ الدولة، متمتعة بالشخصية القانونية الدولية، وهو الاعتراف الدولي بها، والذي يلعب دورًا كبيرًا في نشأة الدولة، وتمتعها بالشخصية القانونية، واستمرار بقائها في المجتمع الدولي، فمن الصعب أن تحافظ دولة جديدة على بقائها واستمرارها ما لم تعترف بها الدول الأخرى، وتقبلها عضوًا في الجماعة الدولية. فالاعتراف هو التسليم من جانب الدول القائمة، بوجود دولة جديدة وقبولها في المجتمع الدولي.

وقد حدد مجمع القانون الدولي معنى الاعتراف في دورته المنعقدة في بروكسل عام 1936 بأنه: "التصرف الحر الذي تقر دولة أو مجموعة من الدول بمقتضاه وجود جماعة لها تنظيم سياسي في إقليم معين، وتتمتع بالاستقلال عن باقي الدول، وتقدر الوفاء بالالتزامات القانونية الدولية"، وهذا غير متوفر في الدولة المزعومة لتنظيم "داعش" الإرهابي.  

بالتالي، نرى أن "دولة" داعش المزعومة هي دولة افتراضية موجودة فقط في أذهان أتباعها، وفي الفضاء الإلكتروني. وهذا الأمر يوجب على كل من يتناول تنظيم "داعش" الإرهابي إعلاميًّا أن لا يصفه بالدولة، وإلا فإنه بذلك الوصف يقدم للتنظيم خدمة يستحق الشكر عليها من قِبل أفراد هذا التنظيم وقادته؛ لأنه يرسخ في أذهان الناس أن هذا التنظيم الإرهابي "دولة".

وقد فطن التنظيم لهذا الأمر جيدًا، وبنى إستراتيجيته الإعلامية على أسس من بينها: التأثير في وسائل الإعلام التقليدية من قنوات تلفزيونية وصحف ومجلات، وجعلها تستخدم مصطلحاته بالمسميات نفسها التي يستخدمها التنظيم، وجعلها تُدرِج التنظيم وأخباره على جدول أعمالها؛ بل وفي مقدمة هذا الجدول. وقد نجح التنظيم الإرهابي في بداياته في هذا الأمر، وخدع الكثيرَ من وسائل الإعلام العالمية، وجعلها تروج أخباره، وتُضخم من قوته دون أن تدري، بل وتردد شعاراته، وتنقلها للجمهور، فكانت بعض القنوات والمواقع العالمية تطلق ــ ولا تزال ــ على التنظيم الإرهابي اسم "الدولة الإسلامية" وهو الاسم الذي أراد هذا التنظيمُ ترويجه على نطاق واسع منذ اللحظة الأولى لظهوره.

ومن هنا ينبغي على جميع من يتحدث عن الجماعات المتطرفة - فضلًا عن من يكافح التطرف- أن يدرك مزالق خياراته اللغوية بكل تفاصيلها. فاللغة تؤثر بعمقٍ على تصورات الأفراد؛ خصوصًا على المدى البعيد. وتكرار عبارة "الدولة الإسلامية" يمنح التنظيم الإرهابي مع مرور الوقت صفةَ "الدولة" وكأنها "دولة المسلمين" وهذا خطأ، والأسوأ من ذلك هو الربط اللغوي بين الإرهاب والإسلام في إطار واحد، وهذا قد يؤدي حتمًا إلى علاقة إدراكية بين المصطلحين "الإسلام" و"الإرهاب"، وهذه الحالة تشكل سمة استقطاب طويلة المدى للتغلغل داخل المجتمعات المتنوعة من جهة، ورسم صورة نمطية ضد المسلمين من جهة أخرى؛ لذا ينبغي عدم إطلاق مصطلح "دولة" أو "دولة إسلامية" على أي تنظيم إرهابي مثلما يحدث مع "داعش".

هل ما يقوم به هذا التنظيم جهاد؟
يؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن ما يقوم به هذا التنظيم الإرهابي ليس جهادًا كما يدعي؛ بل عمليات إرهابية تروع الآمنين، سواء حدثت بالفعل أو كانت ادعاءً كاذبًا يروجها التنظيم على أبواقه، ويحاول من خلالها أن يرفع الروح المعنوية لأفراده، وأن يثبت لدول العالم وشعوبه أنه لا يزال متواجدًا، وأنه يمتلك المبادرة، ويقوم بعمليات هنا وهناك.

ويشير مرصد الأزهر أن الانحراف الفكري في قضية "الجهاد" عند تنظيم داعش الإرهابي وغيره من التنظيمات المتطرفة، نابع من جهل منظريهم بالفرق بين الجهاد والقتال. فالجهاد في القرآن والسنة أوسع وأعم من معنى القتال؛ إذ يعني الجهاد بذل الجهد في مقاومة العدو، سواء كان هذا العدو شخصًا معتديًا أو شيطانًا يجب على الإنسان مجاهدته، أو حتى نفسه التي بين جنبيه، والتي تزين له فعل الشر. كما أن الأمر بالجهاد في الإسلام ليس أمرًا بالقتل، بل بالمقاتلة، أي التصدي للمقاتل أو المعتدي ومجاهدته؛ لردِّ عدوانه ووقف هجومه. ففريضة الجهاد إذن هي حقُّ الدفاع عن النفس وعن العقيدة وعن الوطن، ومن ثمَّ فإن كل هذا يصبح فرضًا إنْ دعت الضرورة إليه. ولكن كون الجهاد فريضةً لا يعني أن يحمل كل مسلم سيفه أو سلاحه، ويقاتل الآخرين بشكل مستقل. الجهاد بالنفس فرض غير متعين على كل مسلم، بمعنى أن المؤسسة العسكرية داخل الدولة هي من ينوب عن أفراد المجتمع في القيام بهذه المهمة.

كما يرى المرصد أن ادَّعاء تنظيم داعش الإرهابي جهاد الكافرين على حدِّ وصف منظري التنظيم يفرض علينا سؤالًا، وهو هل القتال سببه العدوان أو الكفر؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن جمهور علماء المسلمين أجمع اعتمادًا على القرآن والسُّنَّة أن العدوان على المسلمين هو السبب الرئيس الذي يبيح لهم القتال، أما المخالفة في الدين دون عدوان لا تصلح لأنْ تكون سببًا لإباحة الحرب، ولا يمكن أن تكون كذلك، فالقرآن الكريم أقرَّ حرية الناس من خلال المبدأ القرآني الأصيل {لا إكراه في الدين}.

لذا يدعو المرصد إلى عدم إطلاق مسميات مثل "تنظيمات جهادية" على "داعش" أوغيره من التنظيمات الإرهابية، كي لا يترسخ التعريف الملتوي والمتطرف من قِبَلهم لمفهوم "الجهاد" في الأذهان، والذي يعزز على المدى البعيد لفكرة أن ما تقوم به هذه الجماعات الإرهابية هو "جهاد" حقيقي؛ لأن الجهاد في سبيل الله يختلف كليًّا وجزئيًّا عما تقوم به هذه الجماعات من إرهاب.

ونؤكد مرة أخرى على أهمية تحري الدقة في استخدام المصطلحات اللغوية في مكافحة التطرف، والتمييز بين الجهاد بمعناه الصحيح والإرهاب بما ترتكبه تلك الجماعات المتطرفة التي استباحت الدم والأوطان بشعارات زائفة؛ خدمة لأغراض خبيثة الدين منها براء. 
Advertisements
Advertisements