الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

عبد المعطى أحمد يكتب : "إقبال" بين طه حسين وعبد الوهاب عزام

عبد المعطي احمد
عبد المعطي احمد

اليوم هو العيد السنوى لـ "يوم العلامة إقبال" ، ذكرى مولد الفيلسوف والشاعرالباكستانى فى التاسع من نوفمبر 1877 صاحب الطرح الشهير الذى مهد إلى إنشاء دولة باكستان وصاحب الآراء الاستثنائية فى مجال الفلسفة الإنسانية.

 

وتأثرا بالتجربة الصوفية للشاعر الكبير الذى ولد بواحدة من مدن أقاليم البنجاب الغربية الواقعة بين الهند وباكستان, وتغنت أم كلثوم بأبياته فى أنشودتها "حديث الروح" أخرج المفكر المصرى الدكتور عبد الوهاب محمد عزام(1894- 1959)كتابه "محمد إقبال سيرته وفلسفتة وشعره"الذى صدرت طبعته الأولى عام 1954.

 

وقدم للكتاب- فى طبعته الثانية والتى خرجت بعد وفاة عزام- عميد الأدب العربى طه حسين الذى خص صاحب الكتاب وتجربته الفكرية والأدبية بالقسم الأعظم من تلك المقدمة,ومد حسين رابطا واضحا بين تفرد عزام وإقبال, فقد أراد الأول أن ينصف الثانى,وأن يقدم فى ذلك الكتاب ترجمة وافية لأشعاره,وعرضا متكاملا لتجربته الفكرية والإنسانية أمام القارىء المصرى والعربى.

 

يحكى الدكتور طه حسين كيف تعرف على عزام وقت أن كان الأخير طالبا بمدرسة القضاء الشرعى,وكيف كان يحضر بشغف ومحبة دروس عميد الأدب فى التاريخ اليونانى,فكان :"أبرع الطلاب وأنجبهم,كان أرقهم قلبا وأدقهم شعورا,وأصفاهم ذوقا, وأبعدهم أفقا".

 

وفى رواية طه حسين يقفز عبد الوهاب عزام بين الأسطر فى رحلة عمر قصيرة وجهها إلى التعلم وفك طلاسم اللغات أوروبية وشرقية, حتى عندما بات ضمن البعثة الدبلوماسية المصرية فى المملكة المتحدة وكيف أصبح لاحقا أستاذا بكلية الآداب يدرس اللغات العربية والفارسية والتركية,ليصبح مؤسسا للقسم المعنى بهاتين اللغتين بالكلية, وكيف نال درجة الدكتوراه فى الملحمة الفارسية الشهيرة الـ "شاهنامة" الواقعة فى أكثر من خمسين ألف بيت.

 

وينتقل طه حسين فى سياق المقدمة إلى الرابط بين عزام وإقبال فيقول :"وقد استكشف فيما استكشف نابغة من نوابغ الشرق هو الشاعر العظيم محمد إقبال شاعر الهند وباكستان, فلم يختص نفسه بما درس من شعره وأدبه, وإنما قدم طائفة صالحة رائعة من آثاره لوطنه وللغته العربية".

 

ويضيف عميد الأدب عن الكتاب شارحا: "إنه صورة صادقة رائعة لكاتبه ولموضوعه جميعا,فهو لايصورإقبالا وحده, وإنما يصور معه مؤلفه عبد الوهاب عزام. كلا الرجلين كان عذب الروح محببا إلى القلوب,وكلا الرجلين كان بعيد المرامى, ولم يكن عبد الوهاب عزام يكتفى بأن يكون مصريا عربيا,وإنما كان يريد- وقد حقق ماكان يريد- أن يكون عربيا إسلاميا, فأتقن العلم بأمور المسلمين جميعا قريبهم وبعيدهم, وسار مسيرة المسلم الصادق فى إسلامه والمتصوف المخلص فى تصوفه, ولم يكن إقبال يكتفى بأن يكون هنديا يفكر دائما فى أن يستقل المسلمون بباكستان, وإنما كان حريصا على أن يكون كذلك, وعلى ان يكون مسلما صادق الاسلام, ومتصوفا خالص التصوف,فكان لقاء هذين الرجلين الكريمين لقاء رحى ائتلف فتحابا فى ذات الله وذات الإسلام".

 

وإذا انتقل القارىء من مقدمة طه حسين إلى المتن الذى وضعه عبد الوهاب عزام الذى أنهى حياته مؤسسا ومديرا لجامعة الملك سعود,وجد مقدار محبة عزام للشاعر والمفكر إقبال الذى سمع به اول مرة,وهو فى "بلاد الإنجليز"على حد تعبيره, وكيف جاءت سيرته الأولى إلى مسامع عزام على أنه:"له نظرات فى التصوف,وله فلسفة فى النفس", وكيف أنه شرع فى نشر ترجمات لأعماله الشعرية قبل أن يلتقيه فعليا خلال زيارة إقبال الموجزة لمصر عام 1931,وكيف يلتقيه مجددا.

 

ولكن بعد وفاته عندما زار عزام ضريحه ومنزله فى مدينة لاهور عام 1947,وقد خط يومها عزام أبياتا على لوحة رخام سلمها إلى القائمين على ضريح إقبال, وكان بها:
عربى يهدى لروضك زهرا    ذا فخار بروضه واعتزاز
كلمات تضمنت كل معنى      من ديار الإسلام فى إيجاز
بلسان القرآن خطت ففيها      نفحات التنزيل والإعجاز
فاقبلنها على ضآلة قدرى      فهى فى الحق "ارمغان الحجاز"

ولفظة"أرمغان" تعنى "هدية", وهى أيضا المسمى الذى أطلقه إقبال على آخر إبيات نظمها قبل وفاته فى 1938.

 

وإقبال المولود لأسرة برهمية كشميرية يعمل عائلها بالتجارة أتقن اللغتين الفارسية والعربية إلى جانب لغته الأردية, وحصل على درجة الدكتوراه فى الفلسفة من جامعات ألمانيا, وقدم عام 1928 كتابه حول تجديد الفكر الدينى, ونظم الشعر بالأردية والفارسية, وعمل بالمحاماة, وكانت له مواقف رائدة فى دعم الفكر والتفكر الإسلامى.

 

وترك محمد إقبال عشرات الكتب فى مجالات شتى ما بين السياسة والاقتصاد والفلسفة والفكر, وبالطبع القصائد التى تعكس بعضها تأثره بالمدرسة العربية, وتحديدا ما كان من تأثير مصطفى المنفلوطى ومصطفى صادق الرافعى, ومما ورد بالقصيدة التى تغنت أم كلثوم ببعض أبياتها:
حديث الروح للأرواح يسرى     وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلاجناح           وشق أنينه صدر الفضاء