تشهد مصر في السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة في بناء البنية التحتية الرقمية الأساسية التي تمثل العمود الفقري لأي تحول تكنولوجي حقيقي. فمن مشروعات ضخمة مثل "القرية الذكية" و"المدينة المعرفية" في العاصمة الإدارية الجديدة، إلى التوسع الكبير في شبكات الألياف الضوئية وخدمات الإنترنت فائق السرعة، خاصة في المناطق النائية والريفية ضمن مبادرة "حياة كريمة" الطموحة. هذه المشروعات لا تمثل مجرد استثمارات مادية، بل تعكس إرادة سياسية حقيقية لبناء مصر رقمية متكاملة.
وفي مجال الشمول المالي الرقمي، استطاعت مصر أن تحقق قفزات نوعية جعلتها واحدة من أسرع الدول نمواً في مجال الدفع الإلكتروني في الشرق الأوسط وأفريقيا. فوفقاً لإحصائيات البنك المركزي المصري، تجاوزت قيمة المعاملات الإلكترونية السنوية حاجز الخمسة تريليون جنيه، مما يعكس تحولاً جذرياً في سلوكيات التعاملات المالية للمصريين. مبادرات مثل "فوري" و"ميزة" و"الرقم القومي الذكي" لم توفر فقط وسائل دفع إلكترونية مبتكرة، بل ساهمت في خلق ثقافة مالية جديدة تتسم بالشفافية والكفاءة.
أما على صعيد ريادة الأعمال والابتكار، فقد شهدت السنوات الماضية انبثاق منظومة ديناميكية متكاملة لدعم المبتكرين والرواد الشباب. فمن حاضنات الأعمال مثل "فلك" و"اتحاد بنوك مصر"، إلى مسرعات النمو بالشراكة مع كبرى الشركات العالمية، وصولاً إلى نماذج التمويل المختلط التي تجمع بين القطاع الخاص والحكومي والمنح الدولية. وقد برز قطاع التكنولوجيا المالية كأكثر القطاعات جذباً للاستثمارات، يليه قطاعات التعليم التكنولوجي والصحة الرقمية والتجارة الإلكترونية، مما يعكس تنوعاً صحياً في مشهد الابتكار المصري.
وفي مجال التعليم والتدريب، يشهد القطاع تحولاً جذرياً يتجاوز النماذج التقليدية. فمن الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا التي تقدم برامج متقدمة في التخصصات التكنولوجية، إلى أكاديمية الشروق المتخصصة في مجالات الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات، وصولاً إلى برامج الماجستير المتخصصة في البيانات الضخمة والأمن السيبراني التي تقدم بالشراكة مع جامعات عالمية مرموقة. هذا التنوع في المؤسسات التعليمية المتخصصة يخلق بيئة خصبة لإعداد الكوادر التقنية القادرة على قيادة التحول الرقمي.
كما لعبت الشراكات الدولية دوراً محورياً في تسريع وتيرة التطور التكنولوجي. فمن اتفاقيات التعاون مع عملاق التكنولوجيا مايكروسوفت لتدريب عشرة آلاف شاب على المهارات الرقمية المتقدمة، إلى الشراكات الاستراتيجية مع شركة آي بي إم في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، والتعاون المثمر مع هواوي في تطوير البنية التحتية للاتصالات وتدريب الكوادر الفنية. هذه الشراكات لا توفر فقط التقنيات المتقدمة، بل تنقل الخبرات والمعرفة التي تساعد في بناء القدرات المحلية.
رغم الإنجازات الكبيرة، لا تزال رحلة التحول التكنولوجي في مصر تواجه تحديات حقيقية تتطلب معالجة عاجلة. يأتي في مقدمة هذه التحديات "الفجوة الرقمية" التي تفصل بين مختلف شرائح المجتمع، حيث تبقى فجوة واضحة بين الريف والحضر في الوصول إلى الخدمات الرقمية وجودة الاتصال بالإنترنت. كما أن نسبة كبيرة من كبار السن وغير المتعلمين لا تزال خارج المنظومة الرقمية بشكل شبه كامل، مما يتطلب برامج توعية وتدريب مخصصة تلبي احتياجات هذه الفئات.
وتواجه مصر أيضاً تحدياً كبيراً يتمثل في "هجرة العقول" التقنية إلى الخارج، حيث يفضل العديد من الكفاءات والمبرمجين الموهوبين البحث عن فرص عمل في الأسواق الدولية التي توفر أجوراً أعلى وبيئات عمل أكثر تطوراً. هذه الظاهرة لا تمثل خسارة للطاقات البشرية المؤهلة فحسب، بل تؤثر سلباً على قدرة البلاد على بناء قاعدة تكنولوجية محلية قوية. ويتطلب معالجة هذه القضية سياسات أكثر جاذبية للاحتفاظ بالمواهب المحلية وجذب الكفاءات من الخارج.
وفي الجانب التشريعي، ورغم الخطوة الإيجابية المتمثلة في إصدار قانون حماية البيانات الشخصية، تبقى الحاجة ملحة لتحديث التشريعات باستمرار لمواكبة السرعة التكنولوجية المتسارعة. فقضايا مثل تنظيم العملات الرقمية، وحماية الملكية الفكرية في العصر الرقمي، وتنظيم التجارة الإلكترونية، تحتاج إلى أطر قانونية واضحة تواكب أفضل الممارسات الدولية مع مراعاة الخصوصية المحلية.
والأهم من ذلك هو التحول الجذري في مكانة مصر التكنولوجية على الخريطة العالمية، حيث تطمح لتصبح مركزاً إقليمياً رائداً للابتكار والتحول الرقمي. ويتجلى هذا الطموح في خطط تطوير "المنطقة الاقتصادية لقناة السويس" لتصبح مركزاً لصناعة التكنولوجيا والابتكار، وجذب مقار الشركات التكنولوجية العالمية، وتصدير الخدمات الرقمية المتقدمة إلى الأسواق الأفريقية والعربية. هذه الرؤية لا تعتمد فقط على الموقع الجغرافي المميز لمصر، بل على بناء قدرات بشرية وتقنية قادرة على المنافسة عالمياً.
تقف مصر اليوم عند منعطف تاريخي حاسم في مسيرتها التكنولوجية، حيث لم يعد الابتكار مجرد خيار ثانوي، بل ضرورة استراتيجية للقفز فوق التحديات الاقتصادية والاجتماعية التقليدية. النجاح في هذه الرحلة لن يتحدد فقط بقدرة البلاد على تبني أحدث التقنيات، بل بقدرتها على خلق "عقلية ابتكارية" تخترق جميع قطاعات المجتمع، من التعليم إلى الصحة، ومن الزراعة إلى الصناعة.
المستقبل في العصر الرقمي سيكون حتماً لمن يبتكر، ومصر بثروتها الشبابية الهائلة، حيث يشكل الشباب تحت سن الثلاثين أكثر من 60% من السكان، وبتاريخها الحضاري العريق الذي عرف الابتكار منذ آلاف السنين، تمتلك المكونات الأساسية لكتابة فصل جديد مشرق في سجل الإنجازات التكنولوجية على مستوى العالم العربي وأفريقيا.