منذ لحظة رصده، أثار المذنب البينجمي 3I/ATLAS موجة واسعة من الجدل بين علماء الفلك وهواة مراقبة السماء، بسبب خصائصه غير المألوفة التي دفعت بعض الأصوات إلى التكهن بأنه قد يكون مركبة فضائية متطورة قادمة من أعماق الكون.
ففي أكتوبر 2023، أعلن علماء الفلك عن رصد جسم غريب دخل نظامنا الشمسي قادماً من الفضاء البينجمي، ليصبح واحداً من أندر الزوار القادمين من خارج حدود الشمس.
مسار غريب وذيل مقلوب يربك العلماء
تميز 3I/ATLAS بمسار شبيه بالقوس، إلى جانب امتلاكه ذيلا يتجه نحو الشمس بدلا من الابتعاد عنها، وهو سلوك يخالف ما هو معروف عن المذنبات التقليدية هذه الخصائص غير الاعتيادية فتحت الباب أمام نظريات مثيرة، وصلت حد الادعاء بأنه قد يكون جسماً اصطناعياً بحجم مدينة مانهاتن أرسل لاستكشاف الأرض.
أفي لوب يضع النقاط على الحروف
في مواجهة هذه التكهنات، قدم عالم الفيزياء الفلكية الشهير البروفيسور أفي لوب من جامعة هارفارد تفسيراً علمياً أعاد الظاهرة إلى إطارها الطبيعي.
وأوضح لوب، اعتماداً على حسابات رياضية ومنطق إحصائي، أن 3I/ATLAS ليس استثناء نادراً، بل واحد من عدد هائل من الأجسام المشابهة التي تعبر نظامنا الشمسي باستمرار.
وبحسب تقديراته، فإن اكتشاف هذا المذنب على مسافة تعادل خمسة أضعاف المسافة بين الأرض والشمس، وبعد سنوات قليلة فقط من بدء عمليات المسح الفلكي الحديثة، يشير إلى أن الفضاء المحيط بنا يعج بأجسام غير مرئية مماثلة.
أرقام كونية تتجاوز الخيال
تشير حسابات لوب إلى أن نظامنا الشمسي وحده قد يضم نحو تريليون جسم بينجمي مشابه في أي وقت، فيما يرجح أن الأرض استقبلت ما لا يقل عن مليار جسم من هذا النوع على مدار تاريخها الممتد لـ4.5 مليار سنة.
وعلى نطاق أوسع، قد تحتوي مجرة درب التبانة على ما يقرب من 100 سكستليون جسم بينجمي، وهو رقم يعكس مدى شيوع هذه الظاهرة في الكون المرصود.
بقايا تشكل النجوم لا زوار من حضارات أخرى
التفسير العلمي الأرجح، وفقاً للباحثين، أن هذه الأجسام ما هي إلا بقايا لعمليات تكون الأنظمة النجمية، تنتشر في الفضاء مثل حبات الرمل على شاطئ كوني شاسع كما أن رحلة 3I/ATLAS، التي استغرقت نحو 8 آلاف عام للوصول إلى منطقتنا، وتعد جزءا طبيعياً من الحركة الدائمة للمادة بين النجوم.
نافذة نادرة على أنظمة نجمية بعيدة
يعد 3I/ATLAS ثالث جسم مؤكد يأتي من خارج النظام الشمسي، بعد «أومواموا» عام 2017 والمذنب «بوريسوف» عام 2019 وعلى الرغم من رصد ذيول معاكسة في مذنبات محلية سابقاً، فإن هذه هي المرة الأولى التي تلاحظ فيها هذه الظاهرة في زائر بينجمي.
وأكد الباحثون في دراستهم المنشورة على موقع arXiv أن تحليل هذه النفاثات يمثل فرصة فريدة لفهم الخصائص الفيزيائية لجسم تشكل في نظام كوكبي آخر، ويحمل في بنيته أدلة مباشرة عن ظروف نشأته.
رحيل صامت وإرث علمي خالد
بعد اقترابه من الأرض لمسافة 270 مليون كيلومتر في 19 ديسمبر، يواصل 3I/ATLAS رحلته نحو أطراف النظام الشمسي ليغادره نهائياً.
ورغم رحيله الصامت، سيظل إرثه العلمي حاضراً، فاتحا آفاقا جديدة لفهم تشكل الكواكب والأنظمة النجمية البعيدة.




