لم يكن بيت اللواء المتقاعد وزوجته مجرد شقة في أحد أحياء مدينة أسيوط الهادئة، بل كان مساحة دافئة اعتادا أن يملآها بالبساطة والسكينة. بعد سنوات طويلة من الخدمة والعمل، اختارا أن يعيشا حياة هادئة، يفتحان باب منزلهما لمن يحتاج مساعدة، ويقابلان الجميع بثقة وابتسامة. ولم يكن يتخيلا ان يد الغدر والخسه تكون هي اليد التي يعطفان عليها وفتحا اليها باب منزلهما لتكتب نهاية ماساوية هزت محافظة أسيوط .
القضية التي كشفت الغدر
القضية رقم 16944 لسنة 2024 جنايات ثان أسيوط المجني عليهما اللواء محمد محسن بداري كان يشغل منصب مساعد وزير الداخلية لادارة مكافحة المخدرات بأسيوط حتى بلغ سن المعاش وزوجته " هدى بداري " كانت معلمة فاضلة بعد خروجهما على المعاش قرر قضاء حياتهما في منزلهما بعد ان تزوج ابنائهم كلا منهم في منزل كان سيرتهما الحسنة وتواضعهما يشهد لها الجميع واستغل ذلك المتهم الاول " ناصر عثمان " نقاش " بعد ان كان دائم التردد على منزل المجني عليهما لاعمال نقاشه بمسكنهم استغل وجودهما بمفردهما في منزلهم وبدأ يخطط بعد ان خيل له شيطانه خطة اجرامية اعتقد انها الطريق الى الثراء بعد ان اعماه شيطانه عن انها الطريق الى " عشماوي ".
نقاش يتحول الى شيطان
كان المتهم الاول " ناصر عثمان " يتردد كثيرا على منزل المجني عليهما لاعمال الدهانات والنقاشة حتى ان فكر وتدبر ووضع خطته للتخلص منهما وسرقة محتويات الشقة من اموال ومصوغات ذهبية مستغلا وجودهما بمفردهما وكبر سنهما وبعد تفكير اجرامي كبير قرر " ناصر " الاستعانة بصديقه المتهم الثاني " سيد العفريت " نقاش.
شريك في الجريمة
جلس المتهمان على احدى المقاهي بناحية غرب البلد بمدينة أسيوط وافصح المتهم الاول " ناصر " عن ما في صدره للمتهم الثاني " العفريت " وبعد ان وضعها يديهم بيد الشيطان رسما خطتهم الاجرامية لتنفيذ مخططهم على امل انها الطريق الى الخلاص من الفقر. وفي يوم 26 أكتوبر 2024 ذهب المتهمان الى منزل المجني عليهما وانتظر المتهم الثاني اسفل المنزل منتظرا اشارة من المتهم الاول الذي صعد الى منزل المجني عليهما لاستكمال اعمال النقاشة التي كان يقوم بها بمنزل المجني عليهما وكان كل تفكيرهما في كيفية صعود المتهم الثاني الى المنزل لاتمام مخططهما الاجرامي.
يوم التنفيذ
طرق المتهم الاول " ناصر " باب منزل المجني عليهما ففتح له المجني عليه الاول " اللواء محمد محسن بدري " واستقبله بكل ترحاب وقبل بدء عمل " ناصر " بالمنزل دخل " المجني عليه الاول " لاحضار كوب شاي للمتهم الاول وقتها خرج " ناصر " الى بلكونة المنزل واشار الى صديقه " سيد العفريت " ان يصعد الى المنزل مستغلا تواجد المجني عليه بالمطبخ لاعداد الشاي وقام بفتح الباب للمتهم الثاني وفور دخوله قام بالتخفي في البلكونة وبعد ان احضر " المجني عليه الاول الشاي " طلب المتهم الاول ان ينزل بصحبته لشراء بعض المستلزمات لاستكمال اعمال الدهانات وبالفعل خرج المجني عليه الاول " اللواء محمد محسن بداري " والمتهم الاول " ناصر عثمان " لشراء المستلزمات وبعد نزولهما خرج المتهم الثاني " سيد العفريت " من البلكونة الى داخل المنزل مغلقا باب المنزل من الخلف وتجول في المنزل باحثا عن الاموال والمصوغات وفور دخوله الى غرفة النوم وجد المجني عليها الثانية " هدى بداري " جالسة في غرفتها على سريرها فانقض عليها وكتم انفاسها واخرج سلاحا ابيض س كينا كانت بحوزته وقام بـ" ذ بـ.ـحها " وسرقة المصوغات التي كانت في يدها وتوجه الى المطبخ واعد كوبا من الشاي تناوله اثناء انتظاره حضور المتهم الاول والمجني عليه " اللواء محمد محسن بداري " وعندما حضرا وحاولا فتح الباب لم يستطيعا ففتح لهما المتهم الثاني " سيد العفريت " وقتها ساله اللواء محمد محسن بداري .. من انت؟ واشتبك المتهم الثاني مع المجني عليه الاول محاولا التخلص منه وقتها شعر المتهم الاول بافتضاح امرهما فقام بالدخول الى المطبخ واحضر سكينا وانقضا على المجني عليه الاول وكال له عدة طعنات حتى ان انهى حياته وقام المتهمان بسكب البنزين وفتح الغاز واشعال النيران في المنزل لاخفاء معالم جريمتهما وفرا هاربين ولكن بعد تصاعد السنة الدخان هرع الجيران وابلغوا الشرطة والتي حضرت وتمكنت من السيطرة على الحريق.
كاميرات المراقبة تفضح القتلة
ساعات قليلة من البحث لكشف خيوط الجريمة وبعد فحص كاميرات المراقبة وبحث خط سير المجني عليه الاول والمترددين على المنزل توصلت مباحث قسم ثان أسيوط الى المتهمان وبعد تضييق الخناق عليهما اعترفا بارتكاب الواقعة وارشدا عن مكان الادوات المستخدمة والمسروقات .
اعترافات المتهمان بالجريمة
و أمام فريق من النيابة العامة بقسم ثان أسيوط اعترفا المتهمان بتفاصيل الواقعة وقاما بتمثيل كيفية ارتكاب جريمتهما بعد ان اصطحبهم فريق النيابة وسط حراسة مشدده الى منزل المجني عليهما بمدينة أسيوط.
قال المتهم الأول " ناصر عثمان جابر ،41 عاما: اللي حصل أنا بسبب ضيق المعيشة وظروفي الوحشة لأني شغال نقاش يوم بشتغل وعشرة لا وأنا كنت أتعرفت علي اللواء محسن بداري منذ خمس شهور عن طريق كهربائي اسمه " حمادة " معرفش ساكن فين، وأنا شغال مع اللواء " محسن " من حوالي خمس شهور وكنت بشتغل نقاشه في العمارات عنده اللي مؤجرها بمنطقة سيد وعند زوج بنته وكنت عارف ان اللواء " محسن " ظروفه مرتاحة ومعاه فلوس كويسة لأن عنده برج في منطقة سيتي، وبرج في منطقة فريال، اللي حصل فيه الحادثة بتاعته انا كلمت عندنا في المنطقة نقاش معانا اسمه " عبد العال محمود " وشهرته سيد العفريت وهو مسجل بقسم الشرطة عندنا في المنطقة ورحت قعدت مع " سيد العفريت " عند بيته في غرب البلد واتكلمت معاه على ظروف اللواء محسن وان معاه فلوس والدنيا مرتاحة معاه، فراح سيد قالي احنا ممكن نطلع منه بمصلحة، فانا قولتله اية المصلحة دي يا سيد فرد عليه " إحنا هنروح نسرقه " هو عنده ايه فانا قولتله هو عنده فلوس ودهب في البيت قالي خلاص نسرقه واللي نلاقيه نأخذه، فانا قولت لسيد وافرض إن حصل واتكشفنا، فرد سيد " هنخلص عليهم أنا وأنت ونقتلهم ونأخذ اللي فيه النصيب ونمشي " واتفقنا والكلام ده كان قبل الواقعة بحوالي ثلاثة أيام.
بينما اعترف المتهم الثاني " عبد العال محمود عبد العال " 36عاما ، الشهير بـ سيد العفريت، أمام فريق النيابة العامة بقسم ثان أسيوط" اللي حصل إن أنا اعرف ناصر " المتهم الأول " من زمان لان أنا شغال نقاش وهو نقاش بس أنا الحال كان واقف معايا الأيام الأخيرة قابلني ناصر وقالي يا سيد أنا معايا سبوبه حلوة هناكل منها الشهد قولتله ايه القصة يا ناصر قالي أنا اعرف لواء شرطة أموره مرتاحة واسمه " محسن بداري " وهو مرتاح وظروفه كويسة وهو طالع علي المعاش من زمان وبيقبض معاش حلو ومعاه بيت مؤجره للطلبة وبياخد منه فلوس كتيرة ومحدش ساكن معاه غير مرانه بس فهنروح أنا وأنت ونطلع البيت ونخلص عليهم ونلم كل اللي في البيت وبعد كدة نولع في البيت ونمشي ومحدش يعرف عننا حاجة فانا قولتله تمام أنا معاك في المصلحة دي عشان أنا الظروف واقفة معايا الأيام دي وثاني يوم طلعت أنا وناصر ناحية العمارة اللي في شارع فريال اللي ساكن فيها اللواء محسن، وأول ما وصلنا هناك مر ناصر علي اللواء محسن وقاله أنا جايبلك معايا ٣ كيلو لاكيه أخضر عشان أعملك بيهم حديد البلكونات، فاللواء قاله تعالي يا ناصر أنا فوق فناصر قالي استناني هنا وأول ما أديك الإشارة اطلعلي فوق عشان تخلص، وبعد كدة طلع ناصر عند اللواء وقعد شغال في شبابيك البلكونات، وبعد كدة رن عليا ناصر وهو شغال فوق وقالي ياد استني شوية فانا قعدت مستني ناصر في البرجولة حوالي ساعة وربع ولما التليفون بتاعي فصل شحن اخدت بعضي وروحت علي بيتنا، وفي نفس اليوم بعد ما خلص شغل ناصر عند اللواء محسن في البلكونات عدى عليا وقالي أنت مشيت ليه، قولتله التليفون بتاعي فصل وأنا مكنتش اعرف هطلع امتى قالي خلاص أنا بكره هاخدك معايا ونطلع فوق ونخلص الموضوع وروحنا يوم 26 فعلا وخلصنا الموضوع.
وبعد استكمال الاجراءات القانونية احال المحامي العام لنيابات جنوب أسيوط الكلية المتهمان الى محكمة الجنايات للبدء في محاكمتهما على جريمتهما التي هزت محافظة أسيوط.
وخلال جلسات المحاكمة، أنكر المتهمان ما نُسب إليهما من اتهامات، وناقش دافع المتهمان كبير الأطباء الشرعيين، و رئيس مباحث قسم شرطة أول أسيوط واطلع على دفتر غرفة عمليات النجدة عن يوم الواقعة.
مرافعة تهز قاعة المحكمة
وأمام الدائرة الحادية عشر بمحكمة جنايات أسيوط وقف عمرو أبوسديرة وكيل النائب العام للمرافعة قائلا: تقف النيابة العامة أمام عدالتكم ، لا لمجرد استعراض وقائع، أو تلاوة نصوص، بل لتطالب بإنزال أشد العقاب بمن تجرد من إنسانيته، ومزق أوصال الثقة، وارتكب جريمة تمور لها السماوات والأرض هولا، ويقشعر لها الضمير الإنساني رهبة.. نقف اليوم أمام جريمة لم ترتكب في ظلمة الطريق، ولا في خضم المعارك، بل ارتكبت في بيت آمن.. على سرير عائلي.. وبين الجدران التي يفترض أن تحتضن الأمان، لا الدماء. جريمة لم تنفذ لحظة غضب، ولا تحت تأثير اضطراب، بل كتبت بمداد الخيانة، وخطت بخطة شيطانية، ومهدت بمراقبة ومراوغة وتخطيط جهنمي امتد لأيام.
وأضاف وكيل النائب العام في مرافعته قائلا: الواقعة التي نحن بصددها، ليست مجرد سرقة، ولا قتل ولا حرق فقط ... بل هي خيانة للأمانة... وذ بح لكرامة الإنسان.. فهل هناك خيانة أوضح من أن يدخل أحدهم بيتا طاهرا شريفا، يؤويه صاحبه، فيطمع في ماله، ويخطط لدمه، ثم يعود ومعه السلاح والس كين؟!
لقد خان المتهم الأول " ناصر" الأمانة التي اؤتمن عليها، خانها بسبق إصرار منه.... خان البيت وصاحبه وزوجته… ثم لم يكتف، بل دعا شريكا له – وهو المتهم الثاني – إلى خيانة جديدة… فكانا كمن خانا الله قبل أن يخونا الإنسان.. خان رجلا، أدخله بيته، ومنحه رزقا حلالا، واحتواه، وأكرمه، وأمنه... فإذا به يذ بحه ذ بحا ويضحك وهو يراه يسقط غارقا في دمه!.. أي قلوب هذه؟ أي ضمير قد نتحدث عنه هنا؟.. بل أي مسخ بشري يمكن أن يرتكب ما ارتكب هؤلاء!!!.
واستكمل: إننا لا نحاكم اليوم متهمين فحسب... بل نحاكم نمطا شيطانيا من القتل لا يكتفي بالإزهاق، بل يستمتع بالذ بح، ثم يسرق، ثم يشعل النار، ثم يحتسى الشاي بجوار جثة ضحيته وكأن شيئا لم يكن.. فكر شيطاني، وجريمة وحشية متعمدة، مكتملة الأركان... مخططة... مدروسة...مبيتة.
هذه بإيجاز قضيتنا... وها هما المتهمان المجرمان... ضبطا بجرائمهما... فسلمناهما للسجان... وسقناهما إليكم اليوم، بالقتل ذبحا، وبالسرقة كرها، وبالحرق وضعا وبطشا مدانان... والقصاص منهما واقع لا محالة بحكمكم العادل الرادع...
وتابع : لتسمح لي سيادة الرئيس قبل أن أقص على حضراتكم أحداث دعوانا التي وقفنا عليها وقبل أن نعيش سويا واقعاتها بما حوته من آثام وآلام أن أحدثكم عن المجني عليه " محمد محسن بداري" هو رجل أفنى عمره في خدمة الوطن...لواء شرطة، أمضى عقودا من حياته، في ملاحقة المجرمين، في منع الجريمة، في حماية الناس من بطش الآثميين، في بث الأمن والسكينة بديار الآمنين، إلا أن أحدهم دخل عليه بسلاح ناري وسكين، فمات ذبيحا على أرضه.. رجل أفنى عمره في حماية غيره! استقبل قاتله ضيفا... فعاد له المجرم بأسلحة قاتلة، و"ابتسامة خيانة"!.. أي مصير هذا... وهل جزاء الإحسان... هو الذبح والحرق!؟

أما عن الزوجة المجني عليها " هدى بداري " تلك السيدة الفاضلة، المعلمة، مربية الأجيال...كم من أبناء هذا الوطن وقفوا أمامها ليتعلموا على يديها، فتلقوا القيم قبل العلم وتعلموا الأدب قبل الحساب، وارتقوا بفضلها.. سيدة ذبحت غدرا في غرفة نومها، على سريرها، بين متعلقاتها بغير ذنب سوى أنها كانت شاهدة على الجريمة... ذبحت وسرقت مصوغاتها، ودماؤها تلطخ الشال والسكين والضمير.فهل بعد هذا تطلب الشفقة!!!؟ ها نحن أمام واقعات ليست ككل الواقعات، وجريمة ليست ككل الجرائم، قضية تبدأ من عتبة الأمان، وتنتهي في مستقر اللهيب والدخان... وهنا ألتمس من عدالتكم... الوقوف للحظة.. لحظة تأمل... من أجل التألم! تخيلوا معى بيتا هادئا، سقفه محبة، وأرضه أمان، يسكنه رجل، أفنى عمره في خدمة هذا الوطن، ورفيقة درب فاضلة... بيت عامر بالثقة... فتح المجنى عليه بابه لبناء يرمم، ونقاش يجمل، لم يكن يعلم أن اليد التي دهنت الجدران، ستخضبها دمائه وزوجته بعد أيام." فالمتهم الأول " ناصر عثمان جابر عثمان" كان عاملا مألوفا في البيت، يدخل مرحبا به، ويخرج مطمئنا...رجل بسيط في ظاهره، شيطان مقيم في باطنه، يتجول في الغرف،يعرف المداخل، والمخارج، والأماكن، والأسرار، دخل بيت المجني عليه عدة مرات، لا يحمل في يده إلا أدوات العمل... لكنه كان يحمل في صدره مخطط الندم، وفكر السقم، ونية الحط من كل ذي حرمة ودم.
واستكمل وكيل النائب العام مرافعته قائلا : ذات مساء قبل الواقعة بثلاثة أيام، جلس إلى رفيقه المتهم الثانى " عبد العال محمود عبدالعال " والشهير ب"سيد العفريت" لا اسما فحسب، بل خفة في الجريمة، وظلمة في الضمير وقال له والشر يقطر من فمه: "أمامي مصلحة، في بيت أعلمه، أعرف كل حجر فيه،بابه لى مفتوح، وصاحبه مغدور، المال فيه كثير، والذهب فيه وفير، والرجل مطمئن...طيب لا يشك، وامرأة لا حول لها ولا قوة، فما قولك؟ أنقتسم الغنيمة؟ وإن عرقلنا أحد... نسقطه صريعا؟" فأجاب عبد العال، وابتسامته الشيطانية تسبق لسانه: "توكل... وعلى رقابهم نتهجم، ومن يعترض نذبحه ونكتم." وهنا بدأت الجريمة في رحم الظلام... فتعاهدا، وتعاقدا، وتوحش القلبان، وتجردا من إنسانيتهما، ومضيا في ظلمات التخطيط... بثبات الذئب، وصمت الأفعى، فكان السلاح قد أعد، والفرد قد حمل، والسكين قد شحذت، والشال الأبيض بات جاهزا.. لا ليقيه بردا، بل ليخنق به صوتا لو صاح.
وأكمل عمرو أبوسديرة مرافعته : ثلاثة أيام على الاتفاق قبل الواقعة، أيام يفترض أن يرتدع فيها العقل، أو يخفق فيها القلب، أو تنطق فيها الفطرة، لكنها كانت بالنسبة لهما زمن إعداد وخطة ومراقبة وتحين للفرصة، قررا أن يرفعا المكان وقبل الواقعة بيوم ذهبا وعلى ما انتويا مصممان و دارا حول العقار كما تدور الذئاب حول الحظران، تفحصا المداخل والمخارج هذان المتهمان، يراقبان... يتحسسان... هل ثمة كاميرا لهما راصدتان؟ هل من عين ترقب؟ هل هناك جار يقظان؟ رصدا نقاط الضعف، وحددا البرجولة الخشبية فكانت للثانى العفريت للإنتظار مكان..حتى إذا اطمأنا، ضحكا... وكأن الجريمة باتت مسألة توقيت، فاتصل " ناصر" بالمجني عليه:"يا سيادة اللواء... معي دهانات للسور الحديدى وشيش البلكونات" فقابله المجنى عليه بالرد: "اطلع يا ناصر،أنا في البيت... أنت ليس من الغرباء".. آه لو علم ما تخفي النوايا خلف الوجوه الهادئة.
وتابع: على الفور قام المتهم الأول بإبلاغ الثاني بانتظاره بالبرجولة الخشبية أسفل العقار، حاملا بكتفه الحقيبة وبداخلها الشال، منتظرا إشارة الصعود لتنفيذ ما خططا له وعليه صمما، وصعد المتهم الأول، يحمل في حقيبته سلاحا ناريا فردا وسكينا، وفي الشارع. كان العفريت ينتظر الإشارة من شرفة الموت، والتي لم تأت له من المتهم الأول، لأنهم في ذلك اليوم، فشلا في التنفيذ!! وذلك لأن للقدر حكمة، فالمجني عليه كان يقظا... موجودا... فهابوا حضوره، وارتدوا عن دمويتهم مؤقتا.فالمجرمان لم يتراجعا، ولإشارة ربهما بأن يعودا عما لاح في ذهنهما لم يكترثا،بل قالا في نفسيهما: "العمل لم ينته.. لن نقلق.. غدا... نتم ما بدأناه".
وفي اليوم التالي... اليوم الموعود – يوم السادس والعشرين من شهر أكتوبر2024 اتصل المجني عليه ب"ناصر"،... و"العفريت" يسمع بجانبه، يستدعيه لمواصلة عمله واستكمال ما بدأه، فما كان من هذا الغادر "ناصر" إلا أن توجه في خطى ثابتة و"العفريت" لا يفارقه.. لم يترددا لحظة.. حتى وصلا أسفل العقار محل الواقعة.. وتقسمت الأدوار كالبارحة دون اختلال فيها.. كل منهما متأهب وبكتفه حقيبته.. والمتهم الثاني بالبرجولة الخشبية منتظره... وأصبحت إشارة البدء الآن إشارتين.. الأولى بألا تفارق عينيك شرفة منزل المجني عليهما.. وإما انتظار جرس هاتف فتصعد فورا وستبصر باب الشقة في انتظارك مفتوحا!!! .. وهنا وصل ناصر البيت وظل مع المجني عليه يتحدثان.. فقام خلسة بمهاتفة الثاني، فصعد العفريت بالمصعد إلى أن وقف أمام باب الشقة فوجده مغلقا.. وهنا قد منحه الله أيضا برهانا بعد إشارة سابقة ليعود عما يلوح في ذهنه وما انتواه...وهل عاد وتفكر؟... لا والله!!... بل عاد مرة أخرى إلى البرجولة للانتظار، فقام "ناصر" مرة أخرى بمهاتفته، وتكرر معه نفس الموقف، ووجد باب الشقة أيضا مغلقا... وهنا أراد الله أن يعطيه الحقيقة لا البرهان...عد يا عفريت أدراجك، وإلى منزلك اذهب ونم... فليس لك هنا مكان!! هذا حرام، وغدر، وعصيان!!!!.. وهل عاد!؟ للأسف لا بل ذهب مرة أخرى، ومنتظرا لإحدى الإشارتين حتى فرغ شحن هاتفه!!!والله يرسل له برهانا وراء برهان وراء برهان... ماذا تنتظر؟! ألم تكترث لكل إشارات إبعادك عن السرقة، والقتل، والحرق، وما أنت فيه الآن من موقف ذل وخذلان!؟؟
واستكمل : "ناصر" ما زال بالأعلى لا للعمل، ولكن لإتمام القتل والخيانة والفجر المبين، بداخل الشقة آمنا كعادته، قائلا للمجنى عليه إني أحتاج مواد دهان وبنزين. فقال له المجنى عليه، والطمأنينة تسبق كلماته:"اشرب الشاي أولا... ثم ننزل سويا لنشتري المطلوب.".. دخل المجنى عليه إلى غرفة الطعام يعد الشاي بيده، وفي نفس اللحظة، استغل المتهم الأول ذلك، فأشار من الشرفة إلى الثانى... إشارة "الصعود". فصعد الثاني على الفور ، وطرق الباب طرقا خفيفا، ففتحه ناصر بسرعة، وأدخله خلسة دون صوت، وأخفاه في الشرفة، وأغلق مدخله بوضع كرسى، حتى لا يتوجه المجنى عليه ناحيته، ثم عاد وجلس مع المجنى عليه، واحتسى الشاي الذي قدمه له، ثم خرج معه من البيت، لشراء مواد الدهانات، والبنزين.. لكن أحدهما لم يعلم أن البنزين ليس للعمل، بل للإحراق! وآنذاك كان المتهم الثاني لهما مراقبا ومتلصصا، حتى تيقن من مغادرتهما الشقة، بل وتأكد بتحركهما بالسيارة من أسفل العقار!!! وهنا قتل الآمنيين!!!
وتابع: الزوجة في الغرفة الأخرى، على سريرها، لا تدري ما يخطط لها من ذبح وموت وبكاء كانت العجوز فوق سريرها، تسترخي بجلبابها، لا تدري أن الموت خلف الشرفة يسكنها فخرج هذا العفريت من الشرفة متسللا إلى غرفتها وما أن أبصرته إلا وفزعت وصرخت!! من أنت؟! ولما هنا!!؟ فانقض عليها، وكمم فمها، وخنق صوتها، وضرب رأسها..فكان الشر بعينه، والغدر بفكره، والسكين بيده، والمجني عليها أسفله وتقاومه، صراخها ضعيف وبعيد، وموتها بات قريب.

فقام المتهم على الفور وبكل إصرار عنيد، بقلب لا فيه رحمة أشد من أشد بغيض، بالإمساك برقبتها وإعدام صوتها النحيب، ويدها ترتعش من قسوة الفعل والترهيب، ضعيفة واهنة فكانت قد جاوزت الستين، وقلبها يبتهل لله بالنجاة القريب!! فنحر عنقها فورا بالسكين وذبحها ذبحا يندى له الجبين، فاهتز لذلك الفعل عرش رب العالمين، سالت دماؤها، على جسدها وفراشها والأراضين، وطافت روحها إلى من هو ليس ببعيد تشكو إليه ما لاقته من ظلم وفجر، وتنتظر يوم الوعيد...
واستكمال وكيل النائب العام مرافعته قائلا: ذبحت الزوجة الفاضلة، المعلمة الكريمة، وماتت على يد من لم يعرف لها قدرا ولا حرمة ثم سرق ذهبها،ومد يده الآثمة إلى جسدها، وانتزع مشغولاتها، فتح الدولاب، و قلب الأدراج، وبحث عن مال لا يساوي شيئا أمام دم طاهر! ووضع كل ما سرق داخل حقيبته و سقط منه شال، محمل بدمها فبقي هناك شاهدا أبد الدهر. بقي هناك، لا كقطعة قماش، بل كشاهد أبدي على الغدر والخيانة، ثم دخل إلى غرفة الطعام، وأعد لنفسه كوبا من الشاي...!! نعم...شاي على أنين الموت، شاي على جسد ساكن، شاي على الصمت المذبوح! وجلس في الشرفة... وكأنه يحتسي الانتصار، فوق جثة دافئة! و بعد مرور دقائق واستكمالا للفاجعة الكبرى عاد المجني عليه ومعه ناصر، آمنا وادعا، فقد عاد لبيته، وشيطان يقف خلفه، وشيطان بداخل منزله، لا يعلم ما بالداخل ينتظره، لا يعلم ما سيصيبه من غدر وفجر وانتهاك لحرمته.. ففتح باب بيته، فوجد عبد العال أمامه، بوجهه الشاحب، والسكين بيده، والدماء تسيل منها كسيل الندى على الشجر وأوراقه،متفاجئا، مذهولا، صارخا بوجهه: "من أنت؟! وما هذا؟!وبأي حق ينتهك حرمة منزله!؟ فقام على الفور بالإمساك به من ملابسه والسكين ملطخ بالدماء... والوحيدة هنا هي زوجته!!! أيصدق ما يحدث أم أن هذا كابوس حال وعيه؟! والمتهم الثاني ممسكا بملابسه، ويبادله، ويقاومه...والمجني عليه يصرخ مستغيثا بالمتهم الأول خلفه: "أنجدني يا ناصر!" هذه عباراته ومن فمه، يكررها مرة تلو الأخرى.. والغادر خلفه بالضحك يقابله! يستنجد المجني عليه بقاتله، فحتى هذه اللحظة، يأمنه على نفسه وماله،و لم يظن أنه بالغدر سيقابله فأخرج المتهم الأول السلاح من بين طيات حقيبته، وهشم المقبض الخشبي على المجني عليه وبرأسه، والأخير صادما، متفاجئا، مقاوما، ويحدثه...لم ضربتنى وأنا لك معين !!؟ لم غدرت بى وقد حسبتك من الآمنيين !!؟ ماذا قصدت !!؟ ماذا قصدت من وراء فعل لعين !!؟

واستكمل: هرول المتهم الأول إلى غرفة الطعام، وأحضر أداة "يد الهون" الحديدية، وعلى رأس العجوز مرة أخرى فحطمه، والعجوز يصرخ ويدفع فلم يستطع أن يقاومه، والأول على الأرض قد أسقطه،وجلس أعلاه، وأقسم أن يتمكن منه، وبيديه يكبله،والمجني عليه ينظر بعينه إلى ناصر بحسرة... ويسيل دمه!! فقام المتهم الثاني على الفور بسلاحه الذي بيده، فنحر عنقه بتلك السكين التي نحرت قبل قليل زوجته،ترنحت روحه، وخر صريعا، وكانت آخر عباراته:"أأنت يا ناصر من تفعل بي هكذا!!؟"
وتابع: ذبح المجني عليهما وساد الصمت و سكب المتهم الأول البنزين بأرجاء الصالة، وعلى جسد المجني عليه، وفتح الموقد لتسريب الغاز وأشعلا قطعة قماش، وألقوها في الشقة فاشتعلت النيران وهربا بالمسروقات ، وأرادا أن يخفيا جريمتهما في أسرة النار! وشرعا في إحداث انفجار كاد أن يسقط العقار بأكمله، ومن فيه من شيوخ وعائلات وأطفال!! قائلين: "ليحترق المنزل والدليل..." ولكن النار قالت:"سأشتعل... لأشهد!".
احالة اوراق المتهمان للمفتي
وبعد سماع مرافعة النيابة ودفاع المتهمان و المدعي في الحق المدني والمداولة وسط حضور اسرة المجني عليهما، قررت الدائرة الحادية عشر بمحكمة جنايات أسيوط برئاسة المستشار أحمد عبد التواب صالح رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين روميل شحاتة أمين وعلاء الدين سيد عبد المالك، وأمانة سر عادل أبو الريش وزكريا حافظ، احالة اوراق المتهمين لفضيلة المفتي لابداء الراي الشرعي في اعدامهما وحددت جلسة 2 مارس للنطق بالحكم.
فرحة تغمرها البكاء
فور سماع القرار انغمرت قاعة المحكمة بدموع الفرحة من أسرة المجني عليهما للقصاص لوالديهما وقالت الدكتور داليا محسن بداري ، نجلت المجني عليهما اللواء محمد محسن علي طه بداري، وزوجته هدى بداري علي حسين، أنا مكنش عندي شك ولا 1% إن ربنا هيرجع حق والدي ووالدتي لأني مهما قلت عنهم مش هقدر أوفي هما قد إيه كويسين قد كانوا صالحين مع أولادهم ومع كل إللي حواليه، مشيرة إلى أن كان القدر لهم إنهم يتقتلو فده تكريم ليهم عشان تبقى شهادة وينالوا درجة الشهادة.

وأضافت: ربنا رجع الحق الحمد لله رب العالمين، مشيرة إلى أن كل حاجة في القضية كانت دليل على إني ربنا حيرجع حقهم من أول ما قام المتهمين بقتلهم وسكب البنزين داخل الشقة واشعال النيران داخلها لاخفاء اثار الجريمة إلا إن ربنا حفظ على أجسام والدي ووالدتي والنار ما راحتش ناحية أجسادهم على الرغم من قيام المتهمين بفتح الغاز الطبيعي داخل الشقة ولكن الحمدلله والدتي قبل قتلها كانت فاتحه الشفاط في المطبخ ، خلى كل الغاز يطلع برا ، فلما الغاز تطلع برا فالحمد لله متحرقش البيت كله. فأثبت إنهم اتقتلو.كان ممكن لو ربنا مش عايز بين كان ممكن يبقى البيت كله يتحرق.
ووجهت الدكتورة داليا محسن بداري رسالة شكر لهيئة القضاء والنيابة العامة بأسيوط قائلة الحمد لله هما بصراحة يعني النهاردة أسعدونا رغم كل محاولات المحامين المدافعين عن المتهميين أنهم يحاولوا إخفاء الحقائق بس الحمد لله القضاء هما رجال العدل بعد ربنا .
لأن إحنا لينا سنة وشهرين، كل يوم منتظرين حكم زي ده يعني، يعني والدي ووالدتي اتقتلوا غدر إيه المنتظر من أبنائهم، غير إن هما إللي ربنا يقتص لهم فلما أول ما حصلو وأعلنوا الإحالة المفتي شعرنا أن الحق رجع، وإن هما يعني كده مكرمين في الفردوس الأعلى في الجنة بإذن الله.

