قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف عبر صفحته الرسمية على فيس بوك إن هناك قضيتين في معجزة الإسراء والمعراج:
القضية الأولى في معجزة المعراج، وهي: الخروج الكلي عن سنن المألوف البشري في الحياة الدنيا؛ لتكون مثالًا ناصعًا وحجة واضحة على التقاء عالم الغيب وعالم الشهادة، إظهارًا لقدرة الله تعالى، ولفضل النبي محمد ﷺ.
القضية الثانية التي تجلّت في الرحلة كلها، واكتمل معناها في المعراج، وهي: اجتماع الرسول ﷺ بإخوانه من رسل الله وأنبيائه في طريق صعوده إلى سدرة المنتهى. وفي هذا تأكيد على وحدة الرسالة التي أُرسلوا بها جميعًا إلى أهل الأرض، وهي نشر عقيدة التوحيد، وتحرير البشرية من نير عبودية العباد إلى شرف عبودية رب العباد وحده لا شريك له.
ونوه انه النظر إلى حوار خاتم الأنبياء والمرسلين مع إخوانه من الأنبياء، نجدهم قد أقرّوا بنبوته ﷺ إيمانًا منهم، وحرصًا على إتمام هذه الرسالة التي جمعتهم في سلسلة واحدة وهدف واحد؛ إذ مصدرها من الله، وغايتها الوصول إلى مرضاة الله. فالأنبياء جميعًا إخوة فيما بينهم؛ كلٌّ منهم يؤدي دوره الذي أُنيط به، ويبلّغ شرع الله بما يتفق مع الزمان والحال الذي أُرسل فيه، حتى أتى النبي الكريم سيدنا محمد ﷺ ليكون اللبنة الأخيرة في هذا البناء الرباني، والكلمة الأخيرة في خطاب الله للعالمين.
ولهذا ظهرت حفاوة الأنبياء في استقبالهم لرسول الله ﷺ؛ إذ لم يمر على أحدٍ من الأنبياء إلا بادره بقوله: (مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح)، وقال له بعض إخوانه: (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح) [البخاري]. كما نلاحظ رفقهم في وصاياهم للرسول ﷺ، وحرصهم على الأمة وخوفهم عليها؛ حيث قال له الخليل إبراهيم عليه السلام: (يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) [الترمذي]. كما أوصاه الكليم موسى عليه السلام بطلب تخفيف الصلاة من رب العزة، وظل يراجعه حتى خُففت من خمسين صلاة إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.
لقد أظهرت معجزة الإسراء والمعراج حالة الحب والاحترام والتوقير بين الأنبياء جميعًا، وأنه لا اختلاف بينهم في أصول دينهم، وإن اختلفت شرائعهم وتفاصيل أحكامهم بحسب الأزمنة والأحوال؛ وأن همهم واحد وغايتهم واحدة: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، والأخذ بيد الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور العلم والرحمة والهداية. وهو أحوج ما تكون البشرية إليه اليوم، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يعود أتباع كل دين إلى ما كان عليه نبيهم من صلاح وقيم، وإرساء الحب والاحترام بين أتباع الأنبياء جميعًا.


