كلما أمسكت بتلابيب هوية فكرية، واعتقدت أنني عثرت أخيرا على ضالتي المنشودة في خريطة الأفكار المتشعبة، إذا بي أفقدها من بين أناملي، كالماء الذي ينزلق بين الأصابع، لتحل محلها هوية أخرى، تطل برأسها من زاوية جديدة في عقلي ووجداني، وكأنني في حقل ألغام من التناقضات التي لا تنتهي.
هذا التماهي العجيب بين الذات والموضوع، بين الفكر والواقع، هو أقرب تعبير عن حال الفكر السياسي والاقتصادي في عالمنا العربي، حيث تتداخل التيارات وتتصارع، وتتقلب المواقف والأفكار كما تتقلب ألوان الحرباء على أغصان شجرة ملتفة. هنا، يصبح الواحد منا أشبه بليبرالي بلا ليبرالية حقيقية، واشتراكي بلا اشتراكية جذرية، يحمل قناعا فكريا لا ينتمي إلى وجهه الحقيقي، ويعيش في دوامة من الازدواجية تضرب جذورها في عمق تاريخنا الحديث.
لكي نستوعب عمق هذه الإشكالية، ونتلمس جذورها المتشعبة، لا بد من العودة إلى منابت هذه الحالة التي نعيشها، والتي يمكن وصفها بحالة "الانحطاط الحضاري" التي عاشتها الأمة العربية تحت ظلال الاحتلال العثماني الطويلة. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تشق طريقها بعناد خارج نفق العصور الوسطى المظلمة، وتشهد نهضة سكانية وحضارية غير مسبوقة، كان العالم العربي يغرق في بحر من التدهور الذي طال كل شيء تقلص عدد السكان، وتراجعت الزراعة، وانهارت المؤسسات، وتلاشت ملامح الدولة الحديثة. لقد وصل الأمر بمصر، على سبيل المثال، أن ينحدر عدد سكانها إلى ثلاثة ملايين نسمة فقط في بدايات عهد محمد علي، وهو رقم يعكس حجم الكارثة الديموغرافية والاقتصادية التي حلت بالبلاد.
في هذا المناخ القائم على الفراغ، فراغ الزراعة، وفراغ الحرية، وفراغ الأمن والقانون، فراغ المؤسسات والمعنى، جاءت الليبرالية العربية كردة فعل على حالة الانحطاط، ولكنها جاءت مشوهة منذ الوهلة الأولى، كطفل ولد قبل أوانه، فحمل في تكوينه عيوبا بنيوية تعذر إصلاحها لاحقا. لقد كانت ليبرالية بلا جوهر ليبرالي حقيقي، لأنها افتقرت إلى التربة الفلسفية التي نبتت فيها في الغرب. هناك، سبقت الليبرالية السياسية الرأسمالية الاقتصادية، وقامت على تحرير الفرد من سلطة الكنيسة والإقطاع، وعلى فلسفة الأنوار التي وضعت العقل والإنسان في المركز. أما في واقعنا العربي، فقد جاءت الليبرالية كاستيراد شكلي لم يمارس في أجواء الحرية والحقوق الفردية التي نضجت في أوروبا عبر قرون من الإصلاح الديني والنهضة الإنسانية والثورة العلمية. لقد أخذنا القشرة وتجاهلنا اللب.
أما الاشتراكية العربية، فقد بدأت بروح ثورية طموحة، تحمل في طياتها أحلاما كبيرة بالتغيير والعدالة. وكانت ثورة 23 يوليو 1952 ترجمة عملية لمطالب النخب السياسية والاقتصادية المصرية طوال نصف القرن الذي سبقها، واستجابة طبيعية لأفكار الوفد ومفكرين كبار مثل طه حسين وطلعت حرب. لقد استهدفت هذه الاشتراكية التخلص من التخلف الاقتصادي الذي ورثناه من الحكم العثماني والاحتلال البريطاني والفرنسي، وبناء دولة حديثة عبر مشروعات تنموية طموحة، تسعى إلى اللحاق بركب العالم في أقصر وقت ممكن.
لكن هذه الاشتراكية، التي حملت في بداياتها بذور الأمل، سرعان ما تحولت إلى استبداد فكري وسياسي جديد. فبدلا من تحقيق التقدم والعدالة الاجتماعية والمساواة المنشودة، أدت سياسات التأميم والإصلاح الزراعي إلى تراجع الإنتاجية وانتشار البيروقراطية والفساد. والأخطر من ذلك، أن الأنظمة التي تبنت الاشتراكية وصلت إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية، ما جعلها تخصص نسبة هائلة من موازناتها للتسليح على حساب التعليم والصحة والخدمات الأساسية، فأضاعت بذلك فرصة تاريخية للبناء الحقيقي.
لماذا فشل المشروعان، الليبرالي والاشتراكي، في أرض الواقع العربي؟ سؤال كبير يفرض نفسه بإلحاح، والإجابة عنه تحتاج إلى تشريح دقيق لجملة من الأسباب الجذرية.
فلقد استوردنا قشور الأفكار دون جوهرها، وأخذنا النتائج النهائية متجاهلين العملية التاريخية التي أنتجتها. الليبرالية الغربية قامت على تحرير الفرد من سلطة الكنيسة والإقطاع، أما في مجتمعاتنا فجاءت ليبرالية تتعايش مع بنيات قبلية وطائفية لم تتغير جذريا.
والاشتراكية الأوروبية قامت على حركات عمالية منظمة ونضالات نقابية طويلة، بينما جاءت اشتراكيتنا من قمة السلطة إلى الشعب، فافتقدت إلى الجذور الشعبية الحقيقية.
واقع الحال إن الليبرالية الحقيقية تقوم على حرية الفرد وامتناع الدولة عن التدخل في شؤونه الخاصة، لكن الدول الرأسمالية تدخلت خارج حدودها بحثا عن المواد الأولية والأسواق، في تناقض صارخ مع مبادئها المعلنة. والاشتراكية الحقيقية تهدف إلى تحقيق العدالة، لكن التطبيق العربي انتهى إلى خلق طبقات جديدة من كبار المسؤولين الحكوميين، تمتلك الامتيازات وتتحكم بمقدرات الشعوب.
بالعكس لم تنبثق هذه التيارات من تربة فكرية خصبة، إنما قفزت إلى الواقع فجأة، كأنها طفرة غير طبيعية. بينما في التجربة الأوروبية، مرت الليبرالية بمراحل تطورية طويلة، من الليبرالية الحرة إلى الليبرالية الجديدة التي تسمح ببعض تدخل الدولة، في مسار طبيعي يعكس تجاوب الفكر مع المتغيرات الواقعية.
نجاحات ونكسات في الميزان
يظهر التناقض جليا في التجربة المصرية، التي يمكن اعتبارها مختبرا حقيقيا للأفكار السياسية والاقتصادية في العالم العربي. فطلعت حرب – ذلك المفكر الاقتصادي الذي شارك في ثورة 1919 – لم يكن مجرد رجل بنوك، بل كان مؤمنا بالاستقلال الاقتصادي، فأسس بنك مصر وشركات عملاقة تحمل اسم مصر، من الغزل والنسيج إلى استوديو مصر. لقد مثلت أفكاره القاعدة التي قام عليها نموذج التنمية بعد يوليو. لكن هذه الأسس السليمة لم تحم التجربة من الانحراف نحو المركزية الشديدة وسوء التطبيق، الذي حول الحلم إلى كابوس من البيروقراطية والفساد.
في المقابل، حققت دول الخليج العربية نهضة ما باتباعها نهجا اقتصاديا أكثر مرونة. لم تتبن هذه الدول النظام الرأسمالي تبنيا أعمى، بل أخضعته للمراجعة والتصحيح المستمرين، حيث عالجت الخلل عن طريق التأثير والتدخل في الوضع الاقتصادي العام، دون المساس بالحريات الاقتصادية الجوهرية. وهذا ما يفسر تحول هذه الدول من الاعتماد على الرعي والصيد إلى امتلاك أفضل مقومات الحياة الحديثة، في مسيرة تنموية لافتة.
اليوم، نحن أمام مفارقة تاريخية كبرى: لدينا نموذجان يحكمان العالم العربي؛ الأول: دول تخلت عن الاشتراكية لكنها حافظت على استبدادها السياسي، والثاني: دول تبنت الرأسمالية بشكل انتقائي فحققت تقدما اقتصاديا ملحوظا. لقد أثبتت الرأسمالية في العالم كله، وفي الوطن العربي، أنها النظام الاقتصادي الأكثر مرونة وقدرة على التكيف، حتى أن أعتى قلاع الاشتراكية باتت تتبناها، كروسيا والصين التي ما زالت شيوعية في السياسة لكنها رأسمالية في الاقتصاد، في تناقض صارخ يعكس هشاشة النماذج الأيديولوجية الخالصة.
لكن الحل، في تقديري، لا يكمن في استبدال استيراد بآخر، ولا في الانتقال من تبعية فكرية إلى أخرى. الحل يكمن في إعادة اكتشاف خصوصيتنا، وصياغة نموذجنا الذاتي القادر على استيعاب الدروس من الجميع دون أن يفقد هويته. نحن بحاجة إلى ليبرالية ذات ملامح عربية إنسانية تحترم فردانية الإنسان العربي وتراثه الروحي، وإلى اشتراكية أخلاقية تحقق العدالة دون أن تقتل الحافز الفردي. نحن بحاجة إلى تركيب جديد يستلهم جوهر هذه المذاهب دون أن يقع في أسر قشورها، تركيب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الروح والمادة، بين الفرد والمجتمع.
وكما قال مصطفى محمود بحكمته المعهودة: "الكراهية تكلف أكثر من الحب.. لأنها إحساس غير طبيعي.. إحساس عكسي مثل حركة الأجسام ضد جاذبية الأرض.. تحتاج إلى قوة إضافية وتستهلك وقودا أكثر". ربما الصراع بين هذه التيارات في واقعنا العربي هو نوع من الحركة العكسية التي تستهلك طاقاتنا من دون أن تقدم لنا حلولا حقيقية. ربما الحل هو في التحرر من القوالب الجاهزة والشعارات البراقة، والبحث عن طريق ثالث ينبع من حاجات مجتمعاتنا الحقيقية وتاريخنا الخاص، طريق يجمع بين كرامة الفرد وعدالة المجتمع، بين الحرية والمساواة، بين التقدم والهوية.
العقل العربي اليوم هو كتلة من التناقضات الحية، يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم بين قيم لم تنشأ في تربته، ومشاكل ليست من صنعه بالكامل. إنه يشبه ذلك الرجل الذي وصفه مصطفى محمود في إحدى حكاياته، الذي يحاول بناء بيته أثناء العاصفة، كلما وضع لبنة، جاءت ريح عاتية لتهدمها، في معاناة لا تنتهي مع الزمن والعناصر.
التناقض الأول: ليبرالية بلا فرد حر
الليبرالية في جوهرها الفلسفي تقوم على تقديس حرية الفرد وسيادته، ولكن أين الفرد الحر في مجتمعاتنا التي لا تزال تغلب عليها الروح الجماعية، بل والقبلية والطائفية في كثير من الأحيان؟ لقد تحولت الليبرالية العربية في أحسن حالاتها إلى حرية للنخبة، حرية لرجال الأعمال والساسة للتعامل مع السوق العالمي، بينما بقي المواطن العادي أسير شبكة معقدة من التقاليد والقيود الاجتماعية والسياسية.
بل والأكثر مرارة، أن هذه "الليبرالية" كثيرا ما تحالفت مع أسوأ أشكال الاستبداد، فأصبحت ذريعة لسياسات الانفتاح الاقتصادي التي تزيد من الهوة بين الغني والفقير، تحت شعارات براقة مثل "تحرير السوق" و"جذب الاستثمار". وكما يقول المثل الشعبي، "صارخ على جراح وطلع مخرزك". لقد جاءت لتحررنا فزادت من قيودنا، وأرادت أن تفتح لنا الأبواب فأغلقتها بإحكام.
التناقض الثاني: اشتراكية بلا عدالة حقيقية
أما الاشتراكية، التي كان شعارها "من كل حسب طاقته، إلى كل حسب حاجته"، فقد تحولت في أرض الواقع العربي إلى آلة بيروقراطية ضخمة تنتج الفساد والمساواة في الفقر. لقد قامت على مفهوم "دولة التكافل" التي توفر للمواطن من المهد إلى اللحد، ولكنها في المقابل سحقت استقلاليته وحولته إلى رقم في نظام زبونية واسع، يعطي الولاء في مقابل الخدمات، لا الكفاءة في مقابل الفرص.
عبد الناصر، قدم نموذجا لـ"اشتراكية عربية" حاولت أن تزاوج بين القومية والعدالة الاجتماعية. كان مشروعه قويا وطموحا، لكنه اصطدم بجدارين صلبين: جدار الهزيمة العسكرية في 1967، وجدار الفشل في بناء مؤسسات دولة حقيقية قائمة على الكفاءة والمحاسبة، وليس الولاء والزبونية. فتحول الحلم إلى كابوس من المراقبة والقمع باسم "حماية مكاسب الثورة"، وسقطت التجربة تحت وطأة تناقضاتها الداخلية.
ما وراء الإخفاق..
هنا نصل إلى التشخيص الأعمق، تشخيص عبد الله العروي الفلسفي الذي يضيء لنا جوانب كثيرة من الإشكالية. فالمعضلة الأساسية تكمن في أننا استوردنا المنتج النهائي (الليبرالية، الاشتراكية) دون استيراد الآلة الفكرية التي أنتجته. لقد أخذنا الثمرة ولكننا رفضنا الشجرة بجذورها وساقها وفروعها، وحاولنا أن نزرعها في تربة لم تعد لها، فذبلت وماتت.
الغرب بنى حداثته على ثلاثة أركان انفجرت في داخله عبر قرون من الصراع والتطور:
1. النهضة العلمية: التي حررت العقل من سلطة النص الديني المسيطر بلا مساءلة، وفتحت الباب أمام البحث التجريبي والاستكشاف.
2. الثورة الصناعية: التي غيرت علاقة الإنسان بالطاقة والإنتاج، وقلبت الموازين الاقتصادية والاجتماعية رأسا على عقب.
3. الثورة الفرنسية والتنوير: التي أعلت من شأن العقل والفرد والمواطنة، ووضعت الأسس للدولة الحديثة القائمة على العقد الاجتماعي.
أما نحن فأردنا أن نقفز مباشرة إلى النتائج، متناسين أن هذه الرحلة كانت مليئة بالألم والصراع والتطوير الذاتي في الغرب نفسه. لقد حاولنا زرع شجرة البلوط في أصيص، فلم تنمُ، أو نمت مشوهة، تحمل في ثناياها أمراض التربة الجديدة والبيئة الغريبة.