قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه “أُسْرِيَ بالنبيِّ المصطفى، والحبيبِ المُجتبى ﷺ من مكةَ إلى بيتِ المقدس، وعُرِجَ به من بيتِ المقدس إلى سدرةِ المنتهى، إلى العرش، ونحن نسمّي هذا ـ مجازًا ـ بالمعجزة؛ والمعجزةُ سُمِّيَت كذلك في لغة العرب؛ لأنها تُعجِزُ من رآها: خارقةً من خوارق العادات، تخرج عن سنن الله الكونية، لا يستطيع من أمامي أن يأتي بمثلها”.
وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أنه غير أنَّ الإسراءَ والمعراجَ لم يشهد الناسُ تفاصيلَه الغيبية؛ ولذلك فهو آيةٌ كبرى من آيات الله، لا مقصودها أن يقف الناسُ على مشهدٍ حسّيٍّ يُحاكَى، وإنما مقصودها أن تُؤَسِّسَ لعقيدةٍ وتُرَبِّيَ قلبًا. فما هذه العقيدةُ التي يُؤسِّسها الإسراءُ والمعراج.
وأشار إلى أن القوانينُ التي خلق الله عليها الكونَ منضبطةٌ؛ فهو الحكيم، وخوارقُ العادة ـ كماءٍ ينبع من بين أصابع النبي ﷺ، أو عصًا تُضرَبُ بها البحرُ فينفلق فرقين، كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم كما حدث لموسى عليه السلام، أو يُلقي العصا فتتحول إلى ثعبانٍ يَلقَفُ ما يأفكون، أو يدٌ تُدخل في الجيب فتخرج بيضاء للناظرين ـ ونحوُ ذلك من خوارق العادات المرئيّة؛ فإنها، مع خرقها للعادة، تبقى ضمن عالمٍ تُدرَكُ قوانينُه ومقاييسُه.
وأوضح: “أمّا الإسراءُ والمعراج فواقعةٌ طُوِيَت فيها المسافات، وجرت على خلاف المألوف جريانًا لا يُقاس بموازيننا؛ بل خرق للقانون الكلي للكون، كيف يُسْرَى به؟ يقول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}”.
وتابع: “ثم يُعرَجُ به إلى سدرةِ المنتهى، ثم يعود في زمنٍ يسيرٍ؛ حتى قيل: عاد ولم يَبْرُدْ فراشُه. فما هذا؟ معناه أنَّ الأمرَ جرى بأمر الخالق سبحانه، الذي يقول للشيءِ: كن، فيكون؛ فأدخل المُوسَّعَ في المُضيَّق، دون أن يتّسع المُضيَّقُ ولا أن يضيق المُوسَّع. وهذا ليس من شأن عادتنا في هذا الكون”.
واستطرد: “إذن فالإسراءُ والمعراجُ يقول لك: إن الله على كل شيء قدير. ويعلِّمك كذلك أنَّ السببيّة ليست حتميّةً بذاتها؛ فالمسلمُ يعلم أن السبب بخلق الله، ولكن صاحبَ العقيدة الصافية ـ عقيدةَ أهل السنة والجماعة ـ يعلم أن السبب لا يؤثِّر بذاته، ولا على وجهٍ لا يتخلّف، بل إنما يجري اللهُ المسبَّبات عند الأسباب بإذنه سبحانه؛ فالنارُ تُحرِقُ لا بذاتها، وإنما بإذن الله: يخلق الله الإحراقَ عندها إن شاء، وإن شاء جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم. والله سبحانه وتعالى لا يُظهِر من الأجساد ما يخالف مألوفَها عادةً؛ لكنه إن شاء أظهر الآية: أخرج موسى عليه السلام يده فإذا هي بيضاء للناظرين. والله سبحانه وتعالى لا يُقلِّب الأعيانَ على خلاف ما نألف؛ لكنه إن شاء فعل ما يشاء، ولا يكون في كونه إلا ما أراد”.
وقال: "ولذلك: فتوكّل على الله، ولا تترك الأسباب؛ فإن الله خلقها وأرادك فيها. فالفلاحُ يلقي الحبَّ ثم يدعو ويقول: يا رب؛ فإذا لم يُلقِ الحبَّ لم يخرج الزرع؛ لأنك حينئذٍ تكون قد اختبرتَ ربَّك، والله لا يُختبَر؛ بل هو الذي يختبرك ويمتحنك ويبتليك. ولذلك لا نترك الأسباب، والتوكل لا يعارض ذلك:
«لو توكلتم على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خِماصًا (جائعة)، وتروح بِطانًا (شبعى)»، وقال العلماءُ أهلُ الله: ذهبت وجاءت، ولو ظلّت في أوكارها ما رزقها الله".
وأضاف: “إذن عرف المسلمون من الإسراء والمعراج أن هناك أسبابًا قد خُلِقت؛ ولكن الاعتماد على الأسباب شركٌ، وتركُ الأسباب جهل. فلم يتركوا الأسباب؛ ولما أراد النبي ﷺ الخروج إلى أُحُدٍ خالف بين درعين: لبس درعًا من الأمام ودرعًا من الخلف، وهو المَعصوم الذي تكفّل الله بحفظه وبلاغه، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ لكنه يعلّمنا ﷺ كيف نتخذ الأسباب في عبادة الله، وفي عمارة الأرض، وفي تزكية النفس، وفي الحياة. كلُّ ذلك درسٌ من دروس الإسراء والمعراج”.
وذكر أن الإسراءُ آيةٌ من آيات الله العظمى؛ القصدُ منها أن يعلِّمك ـ أيها المسلم ـ كيف تتعامل مع هذه الحياة، وليس القصدُ منها أن يعجز من أمامه؛ بل أن يُثبِّت في قلبك: القدرةَ، والتوكلَ، وحسنَ السيرِ في سنن الله مع شهود مُجريها سبحانه.

