في قراءة معمّقة لتطورات المشهد الإقليمي، قدّم اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، تحليلاً يوضح الفروق الجوهرية بين السيناريو الأمريكي تجاه فنزويلا، وبين ما يجري التعامل به مع إيران، مؤكدًا أن لكل حالة أهدافًا وأدوات مختلفة، وأن الخلط بين النموذجين قد يؤدي إلى سوء تقدير خطير لطبيعة الصراع.
اختلاف السيناريوهات بين فنزويلا وإيران
أوضح اللواء سمير فرج في تصريحات خاصة لـ صدي البلد أن الحالة الفنزويلية كانت تقوم على وجود رئيس دولة تسعى أطراف خارجية إلى إزاحته والاستيلاء على مفاصل الدولة نفسها، بينما يختلف الأمر جذريًا في إيران. فالولايات المتحدة، بحسب تحليله، لا تستهدف إسقاط الدولة الإيرانية أو تفكيكها، وإنما تركز على هدف محدد يتمثل في إسقاط النظام السياسي القائم، وليس الكيان الوطني.
وأشار إلى أن هذا الفارق أساسي لفهم طبيعة التحركات الأمريكية، إذ إن إيران تُعد دولة ذات ثقل إقليمي وشعبي، ولا يمكن التعامل معها بنفس الأدوات التي استُخدمت في دول أخرى.
دعم داخلي أم ضغط خارجي؟
ولفت فرج إلى أن واشنطن تحاول استغلال حالة التوتر الداخلي داخل إيران، من خلال دعم أي حراك أو احتجاجات داخلية، وتوجيه رسائل مباشرة إلى الشارع الإيراني مفادها أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب. هذا الأسلوب يهدف إلى تغذية حالة الغضب الداخلي، ودفعها إلى التحول إلى ضغط سياسي على النظام.
إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن مثل هذه الضغوط قد تأتي بنتائج عكسية، موضحًا أن الشعوب عادةً ما تلتف حول دولتها عندما تشعر بوجود خطر خارجي. وقال إن التماسك الوطني في أوقات التهديد يصبح أقوى، وهو ما يجعل الرهان على انهيار داخلي سريع في إيران أمرًا غير مضمون.
حرب نفسية أم استعداد لضربة؟
وتساءل اللواء سمير فرج حول ما إذا كانت التصريحات الأمريكية المتصاعدة تمهيدًا لضربة عسكرية فعلية، أم أنها مجرد حرب نفسية تهدف إلى إرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات. وأكد أن الضغوط الحالية دفعت إيران بالفعل إلى إرسال إشارات تفيد باستعدادها للتفاوض، رغم التصريحات المتشددة التي تُطلق للإعلام.
وأشار إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تكشف تناقضًا واضحًا بين الخطاب العلني المتشدد، وما يجري خلف الكواليس من اتصالات تفاوضية غير مباشرة، مؤكدًا أن الهدف الأمريكي النهائي هو إعادة إيران إلى اتفاق نووي جديد يضمن تقليص قدراتها النووية.
احتمالات الضربة العسكرية
وفي تقييمه لإمكانية توجيه ضربة عسكرية، اعتبر فرج أن الأمر بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية، خاصة في ظل غياب مؤشرات عسكرية تقليدية، مثل حشد حاملات طائرات أمريكية في المنطقة. وأوضح أن أي ضربة حقيقية عادةً ما تسبقها استعدادات عسكرية واضحة، وهو ما لا يتوافر حاليًا بالشكل الكافي.
وأضاف أن الحديث عن استخدام الطائرات الإسرائيلية يظل واردًا نظريًا، لكنه لا يرقى إلى مستوى الحرب الشاملة، مؤكدًا أن كل ما يجري الآن يتمحور حول التصريحات والضغوط السياسية أكثر من كونه استعدادًا عسكريًا مباشرًا.
ردود الفعل الإيرانية ومخاطر التصعيد
وأكد الخبير العسكري أن إيران لوّحت بردود قوية في حال تعرضها لهجوم، من بينها استهداف دول الخليج ومنابع النفط، وهو ما يجعل أي مغامرة عسكرية محفوفة بمخاطر إقليمية جسيمة. كما أشار إلى أن تراجع العملة الإيرانية والاضطرابات الداخلية لا يعني بالضرورة قرب انهيار النظام، بل قد تدفع إلى مزيد من التشدد.
واختتم اللواء سمير فرج تحليله بالتأكيد على أن الهدف الأمريكي الأساسي يتمثل في تحجيم البرنامج النووي الإيراني، وليس خوض حرب شاملة أو إسقاط الدولة بالقوة العسكرية. ورجّح أن تلجأ إيران في النهاية إلى التفاوض وتقديم تنازلات محسوبة في الملف النووي، لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة، مؤكدًا أن المنطقة تقف على مفترق طرق حساس، تحكمه حسابات دقيقة أكثر مما تحكمه طبول الحرب.