لطالما احتل الذهب مكانة خاصة في النظام المالي العالمي باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطراب، ومرآة دقيقة لحالة القلق السياسي والاقتصادي.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد الشكوك حول مستقبل السياسات النقدية الأمريكية، عاد المعدن الأصفر ليتصدر المشهد مسجلًا مستويات قياسية غير مسبوقة.
إلا أن هذا الصعود السريع لم يخلُ من موجات تصحيح، كان أبرزها التراجع الذي شهده السوق في 15 يناير 2026، في إشارة إلى صراع دائم بين الرغبة في التحوط وجني الأرباح.

خلفية تاريخية.. لماذا يُعد الذهب ملاذًا آمنًا؟
تنبع أهمية الذهب من كونه أصلًا لا يرتبط مباشرة بأداء الحكومات أو العملات، ولا يخضع لسياسات الطباعة النقدية أو مخاطر التعثر السيادي.
وفي فترات الأزمات المالية، أو التوترات العسكرية، أو ضعف الثقة في المؤسسات النقدية، يتجه المستثمرون إلى الذهب كوسيلة لحفظ القيمة.
كما أن الذهب يشكل أداة تحوط فعالة ضد التضخم وتقلبات أسعار الفائدة، وهو ما يفسر اندفاع المستثمرين نحوه كلما تزايد الغموض بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.
تفاصيل التراجع الأخير في الأسعار العالمية
سجل سعر الذهب تراجعًا عالميًا في تعاملات 15 يناير 2026، بعد ثلاث جلسات متتالية من المكاسب القياسية.
وانخفض السعر في المعاملات الفورية بنسبة 0.6% ليصل إلى 4594.66 دولار للأوقية بحلول الساعة 01:37 بتوقيت غرينتش، بعدما لامس مستوى تاريخيًا بلغ 4642.72 دولار في الجلسة السابقة.
كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير بنسبة 0.8% إلى 4599.50 دولار للأوقية، وفق بيانات رويترز. ويعكس هذا التراجع عمليات جني أرباح طبيعية عقب الارتفاعات الحادة التي شهدها السوق خلال الأيام الماضية.
السياسة الأمريكية ونبرة ترامب
يرى محللون أن أحد أبرز أسباب تراجع الذهب يتمثل في تقلص الطلب التحوطي، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي جاءت أقل حدة تجاه كل من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وملف إيران.
هذه النبرة الهادئة نسبيًا خففت من مخاوف التصعيد السياسي، ما دفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الذهب. ومع ذلك، لا تزال الشكوك قائمة بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وثقة الأسواق في الأصول الأمريكية، وهي عوامل تدعم بقاء الذهب عند مستويات مرتفعة تاريخيًا.
تراجعات حادة بعد قمم تاريخية
لم يقتصر التراجع على الذهب وحده، إذ شهدت الفضة انخفاضًا حادًا بنسبة 5.3% في المعاملات الفورية لتسجل 87.88 دولار للأوقية، بعد أن كانت قد بلغت مستوى قياسيًا عند 93.57 دولار.
كما تراجع البلاتين بنسبة 4% ليصل إلى 2288.05 دولار للأوقية، مقارنة بذروته القياسية المسجلة في 29 ديسمبر عند 2478.50 دولار.
وتعكس هذه التحركات موجة تصحيح واسعة في سوق المعادن بعد ارتفاعات سريعة ومكثفة.
هل انتهى صعود الذهب؟
رغم التراجع الأخير، لا يرى كثير من الخبراء أن موجة الصعود قد انتهت.
فالتوقعات لا تزال تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة الأمريكية مرتين خلال عام 2026، وهو عامل داعم للذهب، إذ يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازته.
كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية، وعدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد الأمريكي والعالمي، يعززان جاذبية المعدن الأصفر على المدى المتوسط.
التوقعات للفترة المقبلة
من المرجح أن يشهد الذهب تحركات متقلبة خلال المرحلة المقبلة، مع ميل إلى التصحيح العرضي بين موجات صعود جديدة.
وفي حال عودة التصعيد السياسي أو تزايد الضغوط على السياسة النقدية الأمريكية، قد يعاود الذهب اختبار قمم جديدة.
أما في حال استقرار الأوضاع وتراجع المخاطر، فقد يظل المعدن النفيس تحت ضغط جني الأرباح، دون أن يفقد مكانته كأحد أهم أدوات التحوط في النظام المالي العالمي.