أكد المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن العالم يشهد تحولًا جذريًا في أنماط التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، في ظل تراجع دور المنظمات متعددة الأطراف وتصاعد النزعة الحمائية والاتجاه نحو الاتفاقات الثنائية.
وأشار “الخطيب”، خلال مشاركته في جلسة نقاشية نظمتها الجمعية المصرية البريطانية تناولت مستقبل التجارة العالمية والذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، إلى أن هذه التحولات تفتح فرصًا كبيرة أمام الدول القادرة على التكيف السريع وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية، وفي مقدمتها مصر.
وأوضح الوزير أن النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة جديدة تتسم بما وصفه بـ«المواجهة الاقتصادية والتكنولوجية» بين القوى الكبرى، وهو ما سيؤثر على شكل الاستثمارات وسلاسل الإنتاج خلال العقود المقبلة.
وقال إن مصر من أكثر الدول المؤهلة للاستفادة من هذه التحولات، نظرًا لموقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا، إلى جانب شبكة الاتفاقيات التجارية الواسعة التي ترتبط بها مع الاتحاد الأوروبي والدول العربية والكوميسا واتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، فضلًا عن الترتيبات التجارية مع الولايات المتحدة، موضحًا أن نحو 75 إلى 80% من تجارة مصر تتم مع شركائها في هذه الاتفاقيات.
وأكد أن انخفاض الرسوم الجمركية على الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة إلى نحو 10% يمنح الصناعات المصرية ميزة تنافسية مهمة، خاصة في قطاعات مثل الملابس الجاهزة والمنسوجات والجلود، لافتا إلى أن هذه القطاعات تمتلك فرصًا كبيرة لزيادة صادراتها من نحو 2.5 مليار دولار حاليًا إلى ما بين 12 و15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
وأكد الخطيب أن الدولة استثمرت بكثافة في تطوير البنية التحتية خلال السنوات العشر الماضية، لا سيما في قطاع الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، حيث تم إضافة أكثر من 100 كيلومتر من أطوال الأرصفة الجديدة في موانئ البحرين الأحمر والمتوسط، بما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد ويجعل مصر أكثر جاهزية لاستقبال الاستثمارات الصناعية وإعادة توطين الصناعات العالمية.
وفيما يتعلق بالسياسة التجارية، شدد وزير الاستثمار على أن توجه الدولة يقوم على تحقيق التوازن وعدم الانحياز إلى تكتل اقتصادي واحد، مؤكدًا أهمية تنويع الشراكات التجارية والاستثمارية مع أوروبا والولايات المتحدة وأفريقيا والدول العربية والصين، بما يحافظ على استقرار الاقتصاد المصري ويحد من المخاطر الناتجة عن التقلبات الدولية.
وكشف الخطيب عن قرب إطلاق منصة رقمية متكاملة للتجارة الخارجية، تتيح للمصدرين والمستوردين، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، التعرف على الفرص التصديرية وقواعد المنشأ والاتفاقيات التجارية والأسواق المستهدفة باستخدام أدوات رقمية متطورة، موضحًا أن المنصة ستتكامل مع مكاتب التمثيل التجاري بالخارج والسفارات المصرية لتحويلها إلى أذرع رقمية نشطة لدعم التجارة والاستثمار.
وتطرق الوزير إلى ملف الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أنه يمثل الفصل الجديد في الاقتصاد العالمي، ويعتمد على خمسة عناصر رئيسية تشمل الطاقة، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية، والنماذج، والتطبيقات.
وأوضح أن عنصر الطاقة يمثل العامل الحاسم في هذا المجال، في ظل استثمارات عالمية ضخمة متوقعة في مشروعات الطاقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
وأشار الخطيب إلى أن مصر تمتلك إمكانات هائلة في مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية في الصحراء الغربية، حيث تشير الدراسات إلى قدرة تتراوح بين 700 و1000 جيجاوات، فضلًا عن خطط الدولة لإضافة نحو 23 جيجاوات من الطاقة الجديدة حتى عام 2030، معظمها من مصادر متجددة، إلى جانب محطة الضبعة النووية، ما يؤهلها لاستضافة استثمارات مستقبلية في مراكز البيانات والمشروعات التكنولوجية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأكد أن نحو 70% من حركة البيانات العالمية العابرة للكابلات البحرية تمر عبر الأراضي المصرية، وهو ما يمنح مصر ميزة تنافسية استثنائية لتكون مركزًا إقليميًا لمراكز البيانات والخدمات الرقمية، خاصة في ظل قربها من الأسواق الأوروبية والأفريقية والآسيوية.
وأوضح الوزير أن صناعة الرقائق الإلكترونية أصبحت حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي الحديث، إلا أن الاستراتيجية المصرية لا تستهدف الدخول المباشر في سباق تصنيع الرقائق، بل تركز على تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية التحتية الرقمية والطاقة النظيفة لاستقطاب الاستثمارات في مراكز البيانات والتطبيقات التكنولوجية المتقدمة.
وفيما يتعلق ببيئة الاستثمار، أكد الخطيب أن الحكومة نفذت خلال الثمانية عشر شهرًا الماضية حزمة واسعة من الإصلاحات لخفض تكلفة ممارسة الأعمال وتبسيط الإجراءات وتقليل الأعباء على المستثمرين، مشيرًا إلى أن هذه الإصلاحات ساهمت في خفض زمن الإفراج الجمركي بنحو 65%، مع استهداف الوصول إلى معدلات تنافسية تضاهي أفضل الممارسات العالمية.
وشدد الوزير على أن القطاع الخاص يعد الشريك الرئيسي في عملية التنمية، وأن دور الحكومة يتركز في وضع سياسات واضحة ومستقرة وشفافة، بينما يقود القطاع الخاص الاستثمار والتشغيل، خاصة في مجالات الابتكار وريادة الأعمال والتدريب الفني.
كما أكد أن الشباب هم المحرك الأساسي للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، مشيرًا إلى أهمية دعم منظومة الملكية الفكرية وحماية حقوق المبتكرين وتشجيع الشركات الناشئة على التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والطاقة والنقل والصناعة.
وفي ختام حديثه، أكد المهندس حسن الخطيب أن المستقبل الاقتصادي لمصر يرتبط بالتكامل الإقليمي مع دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وتركيا والمغرب، مشيرًا إلى أن التعاون وبناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة سيجعل المنطقة واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية جذبًا عالميًا، ويدعم النمو المستدام ويوفر فرص عمل نوعية للأجيال القادمة.

