قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

المفتي: فتاوى دار الإفتاء الطبية توازن بين الواقع العلمي ومقاصد الشريعة

دار الإفتاء تناقش "الفتوى والصحة" بمعرض القاهرة للكتاب
دار الإفتاء تناقش "الفتوى والصحة" بمعرض القاهرة للكتاب

نظمت دار الإفتاء المصرية ندوة فكرية بجناحها، تحت عنوان: "الفتوى والصحة" تناولت العلاقة بين الفتوى والمسائل الطبية في ظل التطورات العلمية المتسارعة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. 

ويأتي ذلك بحضور نخبة من كبار العلماء والمتخصصين في الطب والشريعة، وجمهور كبير من زوَّار المعرض،  وشارك في الندوة كلٌّ من الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، والدكتور عطا السنباطي عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والدكتور فؤاد يونس، بحضور الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

دار الإفتاء تناقش "الفتوى والصحة" في جناحها بمعرض القاهرة للكتاب

وخلال الندوة، تناول اللواء الدكتور فؤاد يونس،  ظاهرة لجوء بعض الأفراد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأطباء، محذرًا من أن هذا السلوك بات شائعًا داخل البيوت وبين الشباب، حيث يلجأ البعض فور شعوره بأي أعراض صحية إلى إدخالها في برامج الذكاء الاصطناعي والتعامل مع النتائج كما لو كانت تشخيصًا طبيًّا معتمدًا، وهذا الأمر قد يكون له جانب إيجابي محدود، كقراءة تحليل أو تقرير طبي، لكنه في المقابل يحمل مخاطر جسيمة، أبرزها فقدان السرية الطبية، وغياب التعاطف الإنساني الذي يمثل جزءًا أساسيًّا من العلاج، فضلًا عن خطورة الاعتماد على تشخيص مبني على بيانات ناقصة أو وصف غير دقيق للأعراض.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الطبيب، لأن التشخيص الطبي لا يعتمد فقط على الأعراض المكتوبة، بل على التاريخ المرضي الكامل، والفحص الإكلينيكي، ومهارة الطبيب في الربط بين المعطيات المختلفة، وذلك أن بعض الأدوية التي قد يقترحها الذكاء الاصطناعي قد تكون لها آثار عكسية خطيرة على المريض، متطرقًا إلى استخدام التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، مثل الجراحات الروبوتية، موضحًا أنها أكثر دقة بالفعل، لكنها مرتفعة التكلفة ولا تزال غير متاحة على نطاق واسع، والأصل أن يقود الإنسان هذه التقنيات لا أن يخضع لها. 

وانتقل الحديث إلى خطورة الفتاوى غير المنضبطة في القضايا الطبية، حيث شدد اللواء الدكتور فؤاد يونس على أن بعض الفتاوى الصادرة عن غير المختصين قد تشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، مستشهدًا بحالات مرضى مزمنين يتناولون أدوية للقلب أو الضغط أو السيولة، وقد يتعرضون لمضاعفات خطيرة إذا أُفْتُوا بالصيام أو بتغيير مواعيد العلاج دون فهم دقيق لحالتهم الطبية، مؤكدًا أن أي فتوى في هذا الإطار يجب أن تبنى على معرفة طبية دقيقة، وأن التكامل بين الطبيب والمفتي ضرورة لا غنى عنها.

بدَوره، أكد د. محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، أن العلاقة بين الفقه والطب علاقة تكامل لا انفصال، وأن العلوم جميعها خادمة لبعضها البعض، وأنه لا يمكن تصور فتوى صحيحة في القضايا الطبية دون الرجوع إلى أهل الاختصاص، تنفيذًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. 

وأوضح أن هذه القاعدة الشرعية ليست مبدأً نظريًّا، بل منهج عملي يحكم التعامل مع القضايا التي تمس حياة الإنسان وصحته ونفسيته، وأن الطبيب في المقابل لا يستطيع أن يعمل بمعزل عن الضوابط الشرعية، خاصة في المسائل التي تتعلق بحرمة النفس الإنسانية وكرامتها، مؤكدًا أن الفقيه والطبيب شريكان في المسؤولية، وأن أي خلل في هذا التكامل قد يؤدي إلى قرارات أو فتاوى تضر بالإنسان بدلًا من أن تحفظه.

وأشار نائب رئيس جامعة الأزهر إلى أن الأزهر الشريف أدرك مبكرًا خطورة القطيعة بين العلوم، فحرص على ترسيخ هذا التكامل المؤسسي، ومن هنا جاء إدخال مادة "الفقه الطبي" ضمن المناهج الدراسية بكليات الطب، حيث يدرسها سنويًّا ما يقرب من ثلاثة آلاف طالب وطالبة، ليس في فقه العبادات التقليدي، وإنما في القضايا الطبية المستجدة التي يواجهها الطبيب في واقع عمله، مثل: الموت الدماغي، ونزع الأجهزة الطبية، والخلايا الجذعية، والعلاج الجيني، وزراعة الأعضاء، وغيرها من الإشكالات المعاصرة التي تتطلب وعيًا شرعيًّا دقيقًا. 

ونوه بأن الطب من العلوم التجريبية التي تؤدي فيها الخبرة والتجربة دورًا محوريًّا، وهو ما يجعل رأي الطبيب عنصرًا أساسيًّا في بناء الفتوى، لأن الحكم الشرعي يتغير بتغير المعطيات العلمية الثابتة وضرب سيادته أمثلة بعدد من القضايا التي شهدت تطورًا في الرؤية الفقهية مع تطور المعرفة الطبية، مؤكدًا أن كثيرًا من المسائل التي كانت تُعد مباحة أو محل اجتهاد في فترات سابقة، قد يعاد النظر فيها إذا ثبت علميًّا أنها تضر بصحة الإنسان أو تمس كرامته.

وتوقف الدكتور محمود صديق عند بعض القضايا الاجتماعية والطبية الشائكة، موضحًا أن الفتوى لا تبنى على العادات أو الأعراف، وإنما على ما يحقق مقاصد الشريعة، وفي مقدمتها حفظ النفس، وهو المقصد الذي يتقدم على غيره عند التعارض، مؤكدًا أن الفقه الإسلامي يمتلك من المرونة والأدوات الأصولية ما يجعله قادرًا على استيعاب المستجدات، بشرط أن يمارس الاجتهاد في إطاره المؤسسي، وبالاعتماد على الخبراء والمتخصصين. 

وشدد على أن مواجهة الخرافات الطبية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تكون إلا بفتوى رشيدة، مؤسَّسة على العلم والتجربة، وتعاون حقيقي بين المؤسسات الدينية والطبية، فهذا النهج هو الكفيل بحماية المجتمع، وصون صحة الإنسان، وتحقيق مقاصد الشريعة في صورتها المتكاملة.

من جانبه، أكد أ.د.عطا السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن الفتوى الصحيحة لا تبنى على مجرد معرفة الحكم الشرعي أو استحضار النصوص الفقهية، وإنما تقوم في الأساس على اكتمال التصور الدقيق للحالة المعروضة، وأن الخلل في التصور أخطر من الخطأ في الحكم ذاته، مبينًا أن المفتي مطالب بأن يمتلك مهارات خاصة في التعامل مع السائل، من أهمها الصبر، وطول النفس، والقدرة على التحقيق والاستفسار، وضرب مثالًا بعمل الطبيب الذي لا يمكنه وصف الدواء قبل استكمال التشخيص الطبي وفهم تاريخ المريض وحالته النفسية والجسدية.

وأوضح فضيلته أن كثيرًا من الأخطاء التي تقع في الفتوى ترجع إلى التسرع، أو الاكتفاء بما يقوله السائل في الدقائق الأولى دون التعمق في تفاصيل الواقعة، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج خطيرة لا تقتصر آثارها على الفرد وحده، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية والقضايا الصحية التي تمس حياة الإنسان واستقراره النفسي والاجتماعي.

وسرد عميد كلية الشريعة نماذج واقعية من واقع عمله في لجان الفتوى، موضحًا كيف أن طرح أسئلة إضافية، قد يظنها البعض غير مهمة، كان كفيلًا بتغيير مسار الفتوى بالكامل، والانتقال بالقضية من حكم إلى حكم آخر مختلف تمامًا. فالمفتي لا يتعامل مع نص مجرد، بل مع إنسان له ظروفه النفسية والاجتماعية وتاريخه الخاص، وهو ما يتطلب وعيًا نفسيًّا واجتماعيًّا إلى جانب التأصيل الشرعي، مؤكدًا أن هذه المهارات المركبة لا يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي مهما بلغ من تطور، لأنه يفتقد القدرة على قراءة الانفعالات، وفهم السياق، وربط الجزئيات بعضها ببعض، وهي أمور لا غنى عنها في صناعة الفتوى الرشيدة، لا سيما في القضايا المعقدة والمتداخلة. 

وشدد على أن الفتوى، خاصة في القضايا الصحية والطبية، لا يجوز أن تصدر بصورة فردية أو معزولة عن أهل الاختصاص، داعيًا إلى ضرورة استمرار التعاون المؤسسي الدائم بين أهل الفقه وأهل الطب، كما هو معمول به في دار الإفتاء المصرية من خلال اللجان العلمية المشتركة التي تضم فقهاء وأطباء وخبراء من تخصصات متعددة، بما يضمن صدور الفتوى بصورة منضبطة، تحقق مقاصد الشريعة، وتحفظ النفس الإنسانية من الخطأ أو التهاون.

وفي مداخلة مهمة، أكَّد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن دار الإفتاء المصرية تتعامل مع القضايا الطبية الحساسة، بمنتهى الدقة والحذر، موضحًا أن هذه القضايا تناقش في لجان علمية ضمت أطباء وعلماء دين، وأن الإشكالية الأساسية كانت في التوصيف الطبي وليس في الحكم الشرعي ذاته، وأن عدم اتفاق الأطباء على تعريف قاطع لبعض القضايا الطبية مثل موت جذع المخ أو الموت الإكلينيكي وغيرها يجعل الفقيه غير قادر على إصدار فتوى بسلب حق الحياة، حتى مع وجود نسبة ضئيلة لاحتمال عودة المريض، انطلاقًا من مبدأ حرمة النفس الإنسانية وكرامتها. 

وأشار مفتي الجمهورية إلى أن الفتوى تبنى على الرأي الطبي المعتبر، فإذا كان هذا الرأي غير مستقر أو محل خلاف، فإن التوقف والاحتياط يكونان أولى، مؤكدًا أن دار الإفتاء لا تنفصل عن الواقع العلمي، لكنها في الوقت ذاته تضع نصب عينيها مقاصد الشريعة وحفظ كرامة الإنسان.

من جانبه أشار د. حازم داود، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، مدير الندوة، إلى أن دار الإفتاء كانت من أوائل المؤسسات الدينية التي تنبهت مبكرًا لقضية الذكاء الاصطناعي وتأثيره في مجال الفتوى، موضحًا أن الدار نظمت مؤتمرًا علميًّا موسعًا بعنوان "المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي"، ناقش كيفية التعامل المسؤول مع هذا الوافد الجديد، وحدود الاستفادة منه، ومخاطر الاعتماد غير المنضبط عليه في القضايا الشرعية الحساسة. 

وأوضح أن أعمال هذا المؤتمر صدرت في خمسة مجلدات علمية كاملة، متاحة للجمهور في جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وتتناول بصورة تفصيلية آليات توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة، لا بديلًا عن المفتي المؤهل، مع التشديد على ضرورة بقاء العنصر الإنساني والعلمي حاضرًا في صناعة الفتوى، مؤكدًا أن دار الإفتاء المصرية تنطلق في تعاملها مع المستجدات التكنولوجية من مبدأ المسؤولية الشرعية والعلمية، وأن الذكاء الاصطناعي لا يجوز اللجوء إليه في الإفتاء بشكل منفرد أو غير منضبط، لما يفتقده من مهارات التحقيق، وفهم السياق، ومراعاة الفروق الفردية، والقدرة على الربط بين الجوانب النفسية والاجتماعية والطبية للسائل.

وشهدت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الجمهور، حيث طرحت العديد من الأسئلة حول دور الذكاء الاصطناعي في الفتوى، كما أشاد المشاركون بالدور الرائد الذي تقوم به دار الإفتاء المصرية في مواكبة القضايا المعاصرة، والتعامل معها برؤية علمية شرعية متكاملة، مؤكدين أهمية استمرار هذه الندوات التوعوية، التي تسهم في رفع وعي المجتمع، وترسيخ ثقافة الرجوع إلى أهل الاختصاص، تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والدين.