في لحظة سياسية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، يبرز الحديث عن تسلم اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها كعنوان لمرحلة توصف بالمفصلية.
غير أن هذه اللحظة لا تختزل في مجرد انتقال إداري أو إعادة ترتيب للمشهد المحلي، بل تعبر عن اختبار حقيقي لمدى القدرة على تحويل الطروحات النظرية إلى واقع سياسي وإداري ملموس.
فالقضية تتجاوز تشكيل لجنة أو إعلان نوايا، لتلامس جوهر الصراع على الصلاحيات والسيادة وشكل الحكم في قطاع يرزح تحت تعقيدات غير مسبوقة.
وفي هذا الصدد، دعت اللجنة الوطنية الفلسطينية المستقلة لإدارة غزة الوسطاء والأطراف ذات الصلة إلى التعجيل بحسم الملفات العالقة بشأن قطاع غزة مؤكدة أن أي تأخير إضافي ينعكس سلبا على الأوضاع الإنسانية والخدمية في القطاع ويؤخر الانتقال الإداري المنشود لتسيير جميع الأعمال الإدرية في غزة.
ومن جانبه، قال الدكتور جهاد أبو لحية أستاذ القانون والنظم السياسية، إن ما يطرح اليوم بشأن تسلم اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها يعكس لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع الضغوط الخارجية بصورة معقدة.
وأضاف أبو لحية- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "فاللجنة تتحدث عن "محطة مفصلية"، لكنها في الواقع تواجه شبكة واسعة من العقبات التي تعرقل انتقالها من الإطار النظري إلى ممارسة الإدارة الفعلية على الأرض. هذه العقبات ليست تقنية أو إدارية فحسب، بل ترتبط بجوهر الصراع على الصلاحيات والسيادة وشكل الحكم في المرحلة المقبلة".
وِأشار أبو لحية، إلى أن من جهة أولى، يضع الاحتلال الإسرائيلي شروطا وقيودا تمس أساس فكرة الإدارة المستقلة، سواء عبر التحكم بالمعابر والمجال الجوي والبحري، أو عبر اشتراطات أمنية تُبقي له اليد الطولى في مفاصل حساسة.
وتابع: " أي إدارة لا تمتلك صلاحيات مدنية وأمنية كاملة ستبقى إدارة منقوصة، عاجزة عن فرض النظام أو ضمان الاستقرار أو إدارة ملف الإعمار والخدمات بفعالية. عمليا، استمرار هذا النمط من التحكم يحوّل أي صيغة حكم جديدة إلى كيان محدود الحركة، يخضع لاعتبارات أمنية إسرائيلية قبل أن يخضع لأولويات المجتمع الفلسطيني في القطاع".

واختتم: "تبرز إشكالية داخلية لا تقل تعقيدا، فقد أعلنت حركة حماس في أكثر من مناسبة ترحيبها بنقل إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية، وهو موقف يُقرأ في سياق الضغوط السياسية والإنسانية القائمة، غير أن الواقع العملي، بحسب المؤشرات السياسية المتداولة، يعكس استمرارا في السيطرة على مفاصل أساسية، خاصة في الجوانب الأمنية والتنظيمية، بما يخلق فجوة بين الخطاب المعلن والسلوك الفعلي، وهذا التناقض يُضعف فرص الانتقال السلس للصلاحيات، ويثير تساؤلات حول مدى الاستعداد الحقيقي للتخلي عن أدوات النفوذ لصالح إدارة موحدة بصلاحيات كاملة".
والجدير بالذكر، أن نجاح اللجنة الوطنية في أداء دورها لا يتوقف على إعلان تسلّم المهام، بل على قدرتها الفعلية في انتزاع صلاحيات كاملة تمكنها من إدارة شؤون القطاع باستقلالية وكفاءة.
وبين قيود الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وتعقيدات المشهد الداخلي وعلى رأسه موقف حركة حماس من جهة أخرى، يبقى مستقبل هذه التجربة مرهون بمدى توفر إرادة سياسية حقيقية لتوحيد القرار وإنهاء ازدواجية السلطة.
فإما أن تتحول هذه اللجنة إلى نقطة انطلاق نحو إدارة موحدة تعيد ترتيب البيت الداخلي، أو تبقى عنوانا جديدا لأزمة قديمة تتجدد بأشكال مختلفة.



