تعد واقعة العثور على أجنة بشرية داخل صندوق قمامة بمحافظة المنيا، الناتجة عن إهمال عيادة طبية خاصة وبعض الموظفين العموميين، أكثر من مجرد جريمة جنائية أو هزة أخلاقية؛ فهي تمثل "كارثة بيئية وبيولوجية مكتملة الأركان"، تتجاوز تأثيرها الفردي لتصل إلى المجتمع بأسره، وتلقي الضوء على ثغرات في منظومة إدارة المخلفات الطبية في مصر.

المخاطر القانونية والبيئية
وتصنف المخلفات الطبية، وخاصة الأجزاء البشرية مثل الأجنة والأعضاء، وفقاً للقانون المصري رقم 4 لسنة 1994 ولائحته التنفيذية، وكذلك قانون إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، على أنها "مخلفات شديدة الخطورة".
ويعتبر إلقاء هذه المخلفات في الوسط البيئي العام، كما حدث في المنيا، يفتح الباب أمام سلسلة من الكوارث: المخاطر البيولوجية، انتشار الأوبئة والفيروسات عبر الحشرات والقوارض، تلوث السلسلة الغذائية، وانتهاك حرمة الجسد البشري، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للأعراف الدينية والقوانين المنظمة للتعامل مع المخلفات التشريحية.
الثغرة المفقودة في سلسلة الحيازة
وكشفت التحقيقات عن ثغرة قاتلة في سلسلة الحيازة؛ فبمجرد خروج المخلفات من العيادة وتسليمها لأفراد غير مؤهلين، مثل عامل نظافة أو موظف، تنقطع الرقابة القانونية.
بينما ينص القانون على أن العيادات والمستشفيات ملزمة بالتعاقد مع جهات معتمدة لنقل النفايات الطبية الخطرة إلى المحارق أو أجهزة التعقيم، وليس تسليمها للعمال العاديين.
الضوابط والإجراءات المطلوبة
ولمنع تكرار هذه الحوادث، يجب على وزارة التنمية المحلية والبيئة بالتعاون مع وزارة الصحة:
- تفعيل نظام تتبع ذكي ورقمي للمخلفات الطبية، مثل "الباركود" لتحديد مصدر كل كيس ومساره الكامل حتى المحرقة.
- منع تسليم النفايات لأي جهة غير مرخصة، مع تغليظ العقوبات الإدارية والجنائية على المخالفين.
- تطبيق نظام "المانيفست" الموحد لتوثيق تداول المخلفات، مع حفظ نسخ لدى وزارة البيئة للرقابة الدورية.
- التأكيد على التعامل مع الأجنة والأعضاء البشرية وفق بروتوكول شرعي وقانوني ينتهي بالدفن في مدافن مخصصة تحت إشراف صحي وبيئي.
- تدريب وتوعية عمال النظافة بخطورة المخلفات الطبية وطرق التعرف عليها والتبليغ عن أي مخالفات، مع مكافآت للمبلغين.
ضرورة التحرك الفوري
وذلك فإن واقعة المنيا ليست مجرد خطأ فردي، بل مؤشر على وجود "اقتصاد موازٍ" للتخلص غير القانوني من النفايات الطبية لتوفير تكاليف التعاقدات الرسمية. وتعتبر وزارة التنمية المحلية والبيئة، تحت قيادة الدكتورة منال عوض، مطالبة اليوم بشن حملات تفتيشية موسعة على العيادات الخاصة في جميع المحافظات للتأكد من وجود عقود سارية، وتطبيق منظومة التخلص الآمن، لأن صحة المصريين وحرمة أجسادهم ليست "نفايات" تُلقى في الطريق.
ومن جانبه، قال المحامي علي سيف إن واقعة العثور على أجنة بشرية داخل صندوق قمامة بمحافظة المنيا تُعد “كارثة بيئية وبيولوجية مكتملة الأركان”، مؤكدًا أن الحادثة لا تمثل مجرد خطأ فردي أو مخالفة جنائية بسيطة، بل تكشف عن ممارسات غير قانونية للتخلص من المخلفات الطبية بهدف التوفير على بعض العيادات الخاصة، وهو ما وصفه بـ"الاقتصاد الموازي للمخلفات الطبية".
وأوضح سيف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن القانون المصري، سواء قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 أو قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، ينص على تصنيف المخلفات الطبية ضمن المخلفات الخطرة، ويضع عقوبات صارمة تشمل الحبس والغرامات المالية التي قد تصل إلى ملايين الجنيهات في حال التسبب بأذى للآخرين.
وأشار المحامي إلى أن القانون يلزم كل منشأة طبية بالفصل من المصدر للمخلفات الطبية، واستخدام حاويات مقاومة للتسرب ومعتمدة، والتعاقد مع شركات مرخصة من وزارة البيئة لنقلها ومعالجتها، بالإضافة إلى الاحتفاظ بسجلات دقيقة لكل كمية ونوع المخلفات وجهة تسليمها، مع التفتيش الدوري لضمان الالتزام.
وأكد سيف أن المسؤولية لا تقع على العامل أو الموظف وحده، بل تمتد بشكل تضامني للطبيب أو العيادة المنتجة للمخلفات، مشددًا على أن الواقعة تمثل خرقًا لست مواد قانونية على الأقل، وتستدعي تشديد الرقابة على جميع العيادات الخاصة لضمان عدم وصول المخلفات الطبية أو الأجنة إلى الشوارع، حماية للصحة العامة والأمان البيئي.
وأضاف أن الاحتفاظ بالأجنة داخل العيادة لفترات طويلة دون التخلص القانوني منها يُعد مخالفة صريحة للقانون المصري، إذ تصنّف الأجنة ضمن المخلفات الطبية الخطرة التي يجب التعامل معها وفق اشتراطات صارمة تشمل التخزين المؤقت، الفصل عن المخلفات العادية، ووضعها في حاويات مقاومة للتسرب، مع توثيقها في سجل رسمي والتعاقد مع جهة مرخصة للتخلص منها.
ولفت إلى أن أي تجاهل لهذه الإجراءات يعرض الطبيب أو العيادة للمساءلة الجنائية، والتي قد تصل إلى السجن وغرامات مالية كبيرة، إضافة إلى مصادرة المعدات وإغلاق المنشأة.
وقال محمد أمين أحد سكان محافظة المنيا، إن واقعة الأجنة التي أُثير حولها جدل واسع، تعود إلى طبيب نساء وتوليد يُعرف بالأحرف الأولى “أ. ز”، وهو طبيب كان يحظى بثقة واحترام كبيرين بين أهالي المنطقة.
وأضاف أمين في تصريحات لـ"صدى البلد" أن الطبيب كان يتعامل مع بعض الحالات الطبية الخاصة، مثل حالات الحمل غير المكتمل أو التشوهات الجنينية، وذلك وفقًا للإجراءات الطبية المتعارف عليها في هذا المجال.
ولفت إلى أن الطبيب، بعدما حصل على موافقات المرضى، كان يحتفظ ببعض الأجنة داخل أوعية زجاجية تحتوي على مادة الفورمالين، موضحًا أن الغرض من ذلك كان تعليميًا بحتًا.
ولفت إلى أن أحد معارفه سبق أن رافق زوجته أثناء الكشف الطبي لدى الطبيب، ولاحظ وجود عدد من تلك الأوعية داخل المكتب، والتي كانت تضم ما يقارب عشرة أجنة، وكان الطبيب يستخدمها كوسيلة توضيحية ضمن أدواته التعليمية.
وأكد أن الطبيب توفي منذ نحو ثلاثة أشهر، وأضاف أن زوجة الطبيب قد شرعت في إخلاء العيادة عقب وفاته، قبل أن يقوم أحد العمال بالتخلص من تلك الأجنة، وهو ما أدى إلى اكتشاف الواقعة وإثارة الجدل حولها.