بعد أربعة أعوام كاملة على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022، تبدو الجبهات مشتعلة كما كانت في أيامها الأولى، فيما تتواصل المعارك السياسية والدبلوماسية بالتوازي مع التصعيد الميداني.
وبينما تؤكد كييف أنها صمدت وحافظت على سيادتها، تشدد موسكو على أن أي تسوية يجب أن تعالج ما تصفه بـ«جذور الصراع»، وفي مقدمتها توسع حلف شمال الأطلسي شرقا.
ثبات كييف
في الذكرى الرابعة للحرب، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده دافعت عن استقلالها ولم تخسر سيادتها، مؤكدا أن روسيا لم تحقق أهدافها المعلنة من “الغزو”.
وشدد على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتمكن من كسر إرادة الأوكرانيين، وأن الدولة الأوكرانية حافظت على مؤسساتها رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية غير المسبوقة.
وجاءت تصريحات زيلينسكي في وقت تعرضت فيه العاصمة كييف ومناطق أخرى لقصف بطائرات مسيرة وصواريخ، حيث عمل رجال الإطفاء على إخماد حرائق اندلعت في أحياء سكنية، في مشهد يلخص استمرار الحرب كحرب استنزاف مفتوحة.
وتؤكد كييف أن قدرتها على مواصلة العمل الحكومي والخدمات الأساسية، رغم الاستهداف المتكرر للبنية التحتية، تمثل دليلا على فشل موسكو في تحقيق هدف إسقاط الدولة أو إخضاعها سياسيا.
كما أعلنت القيادة العسكرية الأوكرانية تحقيق تقدم ميداني نادر في الجبهة الجنوبية، مع استعادة السيطرة على ثمانية تجمعات سكنية، واسترجاع نحو 400 كيلومتر مربع في جزء من جبهة القتال بمنطقة دنيبروبيتروفسك منذ نهاية يناير الماضي. ورغم أن هذه المكاسب لا تغير جذريا خريطة السيطرة، فإنها تحمل دلالة سياسية ومعنوية مهمة في لحظة تتكثف فيها الضغوط الدولية للدفع نحو تسوية.
وتسعى كييف، في هذا السياق، إلى توجيه رسائل واضحة إلى واشنطن والعواصم الأوروبية بأنها لا تزال قادرة على المبادرة، وأن أي اتفاق سلام يجب أن يقوم على ضمانات أمنية حقيقية تحفظ سيادتها ووحدة أراضيها، لا على فرض أمر واقع بالقوة.
خطاب موسكو
في المقابل، أكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن السلام العادل لا يمكن تحقيقه إلا بإزالة “الأسباب الجذرية للصراع”. وأوضحت أن موسكو ترى في توسع حلف شمال الأطلسي نحو حدودها تهديدا مباشرا لأمنها القومي، معتبرة أن تسوية الأزمة الأوكرانية مستحيلة دون معالجة هذه المسألة.
وترى روسيا أن “العملية العسكرية الخاصة” كشف، من وجهة نظرها، عن مساعٍ غربية لفرض نظام دولي أحادي القطب وفق قواعد الغرب، وأن إعادة التوازن للأمن الأوروبي تمر عبر صياغة نظام أمني أوراسي “متساوٍ وغير قابل للتجزئة”.
وتؤكد موسكو أنها مستعدة لاستخدام الوسائل العسكرية أو السياسية لضمان عدم تحول أوكرانيا إلى منصة متقدمة للحلف الأطلسي، في حين تعتبر كييف وحلفاؤها أن هذا الطرح يبرر انتهاك سيادة دولة مستقلة ويقوّض أسس النظام الدولي القائم على احترام الحدود المعترف بها.
هذا التباين العميق في تعريف “السلام العادل” يعكس فجوة استراتيجية لا تزال تحول دون اختراق حقيقي في المسار التفاوضي، رغم مرور أربع سنوات على الحرب وما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية جسيمة.
تصعيد متبادل
ميدانيا، تزامنت التصريحات السياسية مع تصعيد متبادل بالطائرات المسيرة والصواريخ. فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط عشرات المسيرات الأوكرانية في عدة مناطق، بينما أكدت كييف مقتل خمسة أشخاص وإصابة آخرين جراء قصف روسي استهدف مقاطعات مختلفة، مشيرة إلى إسقاط أكثر من مئة مسيّرة روسية خلال يوم واحد.
وباتت المسيرات السلاح الأكثر حضورا في سماء المعركة، إذ تنتشر يوميا بالآلاف، ما يدفع الجنود إلى الاحتماء في مواقع محصنة ويخلق “مناطق رمادية” لا يفرض فيها أي طرف سيطرة كاملة. هذه الحرب التكنولوجية منخفضة الكلفة نسبيا، عالية التأثير، أعادت رسم تكتيكات القتال وعمّقت حالة الاستنزاف المتبادل.
وفي تطور لافت، أعلنت أوكرانيا تنفيذ ضربة بطائرات مسيرة استهدفت منشأة مرتبطة بخط أنابيب النفط “دروجبا” داخل الأراضي الروسية، على مسافة بعيدة من الحدود، في إطار توسيع نطاق العمليات إلى العمق الروسي.
ويعكس هذا النمط من الهجمات انتقال الصراع من جبهات التماس التقليدية إلى استهداف البنية التحتية الحيوية، بما يحمله ذلك من أبعاد اقتصادية واستراتيجية.
سياسيا، يتقاطع التصعيد الميداني مع ضغوط أمريكية لدفع الأطراف نحو اتفاق. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أشار إلى ضرورة تقديم أوكرانيا تنازلات لتجنب خسارة الحرب، وهو طرح ترفضه كييف وعدد من العواصم الأوروبية، التي تؤكد أن روسيا لم تحقق منذ عام 2023 سوى مكاسب محدودة مقابل خسائر كبيرة.
ومع دخول الحرب عامها الخامس، يبدو أن معادلة “لا غالب ولا مغلوب” لا تزال تحكم المشهد، في ظل عجز أي من الطرفين عن تحقيق حسم عسكري شامل، مقابل كلفة إنسانية واقتصادية متصاعدة. وبين خطاب كييف عن الصمود وخطاب موسكو عن معالجة الجذور، تبقى الجبهات مفتوحة، ويظل السلام رهينا بإرادة سياسية لم تنضج بعد، وسط عالم يتابع حربا أعادت رسم خرائط الأمن الأوروبي ووضعت النظام الدولي أمام اختبار غير مسبوق منذ عقود.