على أطراف الخريطة المصرية، حيث يلتقي البحر الأحمر بامتداد الصحراء القاسي، تواصل مدينتا حلايب وشلاتين كتابة فصل مختلف من حكاية رمضان.. هنا لا تُختزل الطقوس في الزينة أو البرامج التلفزيونية، بل تتجسد بوضوح فوق موائد تحمل ملامح المكان وتاريخه، في مواجهة موجات التغيير الاجتماعي التي فرضتها وسائل الإعلام الحديثة وأنماط الحياة المتسارعة.
ورغم التأثير المتزايد للفضائيات ووسائل التواصل، ما تزال المنطقة تحافظ على خصوصيتها الثقافية، خاصة فيما يتعلق بعادات الطعام خلال الشهر الكريم، فالأكلات الشعبية في الجنوب ليست مجرد أطباق تقليدية، بل تمثل جزءًا أصيلًا من هوية مجتمع ذي جذور عرقية وثقافية ممتدة، يظهر تنوعها في تفاصيل الحياة اليومية.
لحوم الصحراء في صدارة المشهد
في رمضان، يزداد الإقبال بين أهالي الجنوب على لحوم الجمال والخراف، وهي اختيارات ترتبط بطبيعة البيئة المحلية وتاريخ الاعتماد على الرعي كمصدر أساسي للغذاء.
ووجود هذه اللحوم على المائدة الرمضانية لا يعكس فقط تفضيلًا ذوقيًا، بل يعبر عن استمرارية نمط اقتصادي واجتماعي تشكل عبر عقود طويلة من التعايش مع الصحراء.
وتبقى هذه الأطباق حاضرة بقوة في وجبات الإفطار، باعتبارها مصدرًا مهمًا للطاقة بعد يوم طويل من الصيام في أجواء ترتفع فيها درجات الحرارة بشكل ملحوظ.
“الغمسة”.. حين يتكلم البحر
وفي المناطق القريبة من الساحل، تبرز “الغمسة” كواحدة من أشهر الأكلات الرمضانية. وهي شربة سمك تُحضّر بإضافة توابل خاصة إلى جانب الأسماك الطازجة، لتشكل طبقًا يعكس العلاقة العضوية بين السكان والبحر الأحمر.
هذا الطبق لا يمثل مجرد تنوع في المائدة، بل يُجسد اعتماد بعض المجتمعات المحلية على الصيد كمورد رئيسي للعيش، ويؤكد حضور البحر في تفاصيل الحياة اليومية خلال الشهر الكريم.
إلى جانب الغمسة، تنتشر أطباق أخرى مثل الأسماك بطرق إعداد متنوعة، إضافة إلى “السلات” و”الجابوري”، في صورة تعكس ثراء الموروث الغذائي وتعدد مصادره بين البر والبحر.
العصيدة.. طعام الصمود في الحرّ والترحال
وتحتل “العصيدة” مكانة خاصة بين الوجبات الرئيسية في الجنوب. تُعد من الدقيق والماء والملح واللبن، ثم يُضاف إليها العسل الأسود، لتتحول إلى وجبة غنية بالطاقة.
ينظر إليها الأهالي باعتبارها من أكثر الأكلات قدرة على مساعدة الصائمين في تحمل مشقة الحر، لما تمنحه من شعور بالشبع وطاقة تدوم لساعات.
ولا يقتصر حضور العصيدة على موائد الإفطار فقط، بل تُستخدم أيضًا خلال الترحال في الصحراء، نظرًا لبساطة مكوناتها وسهولة إعدادها، ما يجعلها وجبة عملية تتماشى مع طبيعة الحياة في البيئات الصحراوية.
المائدة كمرآة للهوية
ما تكشفه موائد حلايب وشلاتين في رمضان يتجاوز حدود الطهي، ليصل إلى عمق الهوية الثقافية. ففي وقت تتشابه فيه العادات الرمضانية في كثير من المدن، تظل هذه المنطقة محتفظة بملامحها الخاصة، حيث تتداخل الجغرافيا مع التاريخ لتشكلا نمطًا غذائيًا يعبر عن الانتماء والاستمرارية.
وهكذا، تبقى الأطباق التقليدية في الجنوب شهادة حية على قدرة المجتمعات المحلية على الحفاظ على موروثها، ليس عبر الشعارات، بل عبر ممارسات يومية تتكرر مع كل أذان مغرب، لتؤكد أن الهوية يمكن أن تُصان… على مائدة إفطار.