لم يكن مجرد بناءٍ من حجر ورخام، بل كان ميلاداً لروح أمة، ومنارةً لم تنطفئ جذوتها منذ أن رُفع فيها أول أذان قبل قرابة أحد عشر قرناً. اليوم، ومع إشراقة السابع من شهر رمضان المبارك لعام 1447 هجرية، يحتفي العالم الإسلامي بمرور 1086 عاماً على افتتاح الجامع الأزهر الشريف؛ ذلك الصرح الذي لم يتوقف يوماً عن كونه "قبلة العلم" ومعقل الوسطية، والجامعة التي احتضنت طالبي المعرفة من شتى بقاع الأرض، ليعود اليوم في أبهى صوره، جامعاً وجامعة، بفضل طفرة غير مسبوقة في أنشطته الدعوية والعلمية.
من "جوهر" التأسيس إلى "قبلة" المسلمين
تعود جذور الحكاية إلى القائد جوهر الصقلي، الذي وضع حجر الأساس لهذا المعلم التاريخي عقب تأسيس مدينة القاهرة، بدأت أعمال التشييد في عام 359 هـ، واستغرقت رحلة البناء عامين وثلاثة أشهر، حتى فُتحت أبوابه لإقامة أول صلاة جمعة في 7 رمضان 361 هـ.
ويؤكد المؤرخون بالجامع الأزهر أن هذا الصرح هو أول عمل معماري فاطمي في مصر لا يزال صامداً في موقعه الأصلي، محافظاً على نقوشه الكوفية العريقة ومحاريبه التي تحكي قصص القرون الخوالي، رغم التوسعات التي ضاعفت مساحته عبر العصور لتشمل منشآت ومدارس أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من هويته.
تفاصيل تروي التاريخ
يمثل الجامع الأزهر متحفاً مفتوحاً للفنون الإسلامية؛ فمن يطرق أبوابه (مثل باب المزينين) يجد نفسه وسط مزيج ساحر من المدارس المعمارية
• المدرسة الأقبغاوية التي تحتضن مكتبة الأزهر العريقة بمحرابها المرصع بالفسيفساء المذهبة.
•المدرسة الطيبرسية بجمال شبابيكها النحاسية ودقة هندستها.
• مآذن قايتباي والغطريف: التي تعانق سماء القاهرة، شاهدةً على براعة النحت في الحجر.
لم يقتصر التصميم على الجمال فقط، بل كان وظيفياً بامتياز؛ فالمقصورات التي ضمت مئات الأعمدة الرخامية، والصحن المكشوف، والأروقة المتعددة، صُممت لتستوعب آلاف المصلين والدارسين في وقت واحد.
فلسفة الأروقة
بيت الوافدين وملاذ المصريين، تعد "الأروقة" هي القلب النابض للجامع الأزهر، وهي التي جسدت مفهوم "عالمية الأزهر" قبل مئات السنين، فكان لكل جنسية أو إقليم "رواق" خاص يجمع أبناءه، ومن أبرزها:
• أروقة الوافدين مثل أروقة الأتراك، الشوام، المغاربة، الجاوة (جنوب شرق آسيا)، والأكراد، مما حول الأزهر إلى جسر ثقافي يربط القارات الثلاث.
• أروقة المصريين التي تخصصت بحسب الأقاليم والمذاهب، مثل رواق الصعايدة، الشراقوة، ورواق المكفوفين، بالإضافة إلى أروقة المذاهب الفقهية الأربعة.
لماذا سمي "الأزهـر"؟
رغم تعدد الآراء التاريخية، يظل الرأي الأرجح أن التسمية جاءت تيمناً بلقب السيدة فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- ابنة النبي محمد ﷺ، وهو ما يعكس المكانة الروحية والقدسية التي أراد الفاطميون إضفاءها على هذا المسجد الجامع.
الأزهر اليوم و عودة الروح للجامعة والجامع
في ذكراه الـ 1086، لا يقف الأزهر عند أطلال الماضي، بل يشهد حالياً نهضة شاملة في برامجه العلمية والدعوية، ويجمع المحللون على أن العقد الأخير شهد استعادة الأزهر لدوره المحوري كمنارة لبث الفكر الوسطي المستنير، ومواجهة الأفكار المتطرفة، من خلال تكثيف اللقاءات العلمية وحلقات تحفيظ القرآن، ليبقى كما كان دائماً: كعبة العلماء ومقصد الباحثين من أكثر من 100 دولة.


