ليست كل الحكايات تُخفى لأنها غير صحيحة بل لأن روايتها كاملة قد تغيّر ما اعتاد العالم تصديقه.
في زمن تتصارع فيه الروايات أكثر مما تتصارع الوقائع يصبح امتلاك القصة نوعا من القوة الهادئة التي تعيد تشكيل الوعي دون ضجيج. ومن هنا تأتي أهمية الأعمال التي تقترب من الإنسان قبل أن تقترب من السياسة. مسلسل أصحاب الأرض يقدّم القضية الفلسطينية بوصفها حياة كاملة لا حدثا عابرا. حياة اقتلعت من مكانها لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة وفي التفاصيل الصغيرة التي لا تموت.
لا يعتمد العمل على الخطابة ولا على الشعارات بل على المشهد الإنساني البسيط. بيت لم يعد قائما لكنه يسكن القلوب. مفتاح قديم تحول إلى معنى يتجاوز المعدن. أم تحفظ أسماء الأماكن كما تحفظ أسماء أبنائها. جيل يولد بعيدا عن الأرض لكنه يعرفها كأنه عاش فوق ترابها. هنا تتحول الدراما إلى مرآة تكشف أن القضية ليست حدودا فقط بل حكاية شعب يريد أن يعيش بكرامة على أرضه.
حين توصف فلسطين بأنها أرض المقدسات وأرض الأنبياء فذلك ليس توصيفا عاطفيا بقدر ما هو امتداد تاريخي طويل. أرض تعاقبت عليها الرسالات وتجاورت فوقها دور العبادة وارتبطت بها ذاكرة دينية وإنسانية عميقة. لم تكن يوما فراغا جغرافيا بل وطنا نابضا بأناس لهم ملامحهم وحكاياتهم وأحلامهم اليومية. وما يقدمه المسلسل من تفاصيل الحياة يؤكد أن الوجود الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات بقدر ما يحتاج إلى أن يُرى، أما ما يتردد أحيانا من إنكار لوجود هذا الشعب أو التقليل من حضوره فإن العمل يرد عليه بهدوء دون مواجهة مباشرة. يعرض الحياة كما كانت لا كما أريد لها أن تُروى. لأن أبسط تفاصيل العيش قادرة على هدم أكثر السرديات تعقيدا. فالناس لا يتركون بيوتهم وذكرياتهم وأسماء شوارعهم إلا حين يُجبرون على ذلك.
ولمن يردد أن مصر لم تسهم في القضية الفلسطينية فإن التاريخ والوجدان الشعبي يقدمان إجابة واضحة. لم تكن مصر بعيدة يوما عن فلسطين لا بحكم الجغرافيا ولا بحكم المسؤولية. شاركت بتضحيات كبيرة وظلت حاضرة سياسيا وإنسانيا عبر عقود طويلة. والأهم أن القضية لم تكن رسمية فقط بل كانت جزءا من الوعي الجمعي للمصريين حاضرة في الثقافة والفن والشارع والبيت.
ما يفعله أصحاب الأرض أنه يعيد للإنسان مكانه في قلب الحكاية. يذكّر بأن الصراع لم يكن على الأرض وحدها بل على الذاكرة أيضا. على من يملك الحق في رواية القصة ومن يستطيع أن يجعل العالم يسمعها. وحين يغيب الصوت المباشر يصبح الفن أحد أكثر أشكال التعبير صدقا وقدرة على الوصول.
الحقيقة التي يلمح إليها العمل ليست صاخبة بل هادئة وثابتة. إنسان يتمسك ببيته حتى وهو بعيد عنه وذاكرة ترفض أن تتحول إلى ماض منسي وأرض تعرف أصحابها حتى إن غابوا عنها. قد تتغير الخرائط وقد تتبدل المواقف لكن الحكايات الحقيقية تظل قادرة على العبور من جيل إلى جيل.
في النهاية لا يقدّم المسلسل إجابات جاهزة بل يترك المشاهد أمام شعور واضح بأن هناك قصة كاملة لم تُرو بعد. قصة شعب لم يتوقف عن التمسك بحقه في الحياة والكرامة. وربما لهذا يترك العمل أثره العميق لأنه لا يطلب التعاطف بل يوقظ الإدراك بأن ما لم يُسمح له أن يُقال علنا يمكن أن يصل بصوت هادئ لكنه لا يختفي.. تلك هي القصة التي لم يُسمح لها أن تُحكى كاملة لكنها ما زالت تُروى وتُحفظ وتنتظر أن تُفهم.