لقدِ اختصَّ اللهُ – عزَّ وجلَّ – الصِّيامَ بإضافتِهِ إليهِ – سبحانهُ – دونَ سائرِ الأعمالِ؛ فهو سرٌّ بينَ العبدِ وربِّهِ، لا يطَّلعُ عليهِ غيرُهُ، وفي هذهِ الإضافةِ فضلٌ عظيمٌ للصِّيامِ؛ لأنَّهُ لا يُضافُ إلى اللهِ إلَّا أكرمُ الأمورِ وأفضلُ الأعمالِ.
فعن أبي هريرةَ – رضيَ اللهُ عنهُ – أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فلا يرفثْ ولا يجهلْ، وإنِ امرؤٌ قاتلهُ أو شاتمَهُ فليقلْ: إنِّي صائمٌ مرَّتينِ، والذي نفسي بيدِهِ لخُلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ تعالى من ريحِ المسكِ، يتركُ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ من أجلي، الصِّيامُ لي وأنا أجزي بهِ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها»( ).
وحقيقةُ الصِّيامِ: الإمساكُ عن شهواتِ النَّفسِ وملذَّاتِها ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ – عزَّ وجلَّ – وحدَهُ، ورجاءَ ثوابِهِ؛ فليسَ الصَّومُ في حقيقتِهِ تركًا للطَّعامِ والشَّرابِ فقط، بل هو تركٌ لكلِّ شهوةٍ تعوقُ المؤمنَ عن الوصولِ إلى مرضاةِ ربِّهِ – جلَّ وعلا –؛ «يتركُ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ من أجلي».
فما أهونَ الإمساكَ عن الطَّعامِ والشَّرابِ، بالنِّسبةِ إلى الإمساكِ عن المحرَّماتِ والمنكراتِ!
وقالَ عطاءُ بنُ السَّائبِ – رحمهُ اللهُ –: «كانَ أصحابُنا يقولونَ: أهونُ الصِّيامِ تركُ الطَّعامِ والشَّرابِ»( ).
والاقتصارُ على الإمساكِ عن الطَّعامِ والشَّرابِ وسائرِ المُفطِراتِ الحسِّيَّةِ يُسقِطُ عن العبدِ فريضةَ الصَّومِ، فلا يُطالَبُ بإعادتِهِ، لكنَّهُ لا يبلُغُ غايةَ الصِّيامِ من تحقيقِ التَّقوى، وتهذيبِ النَّفسِ، إلَّا بتركِ كلِّ مُحرَّمٍ، والانتهاءِ عن الذُّنوبِ والمعاصي.
ولذلكَ وردَ عن أبي هريرةَ – رضيَ اللهُ عنهُ – قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «رُبَّ صائمٍ حظُّهُ من صيامِهِ الجوعُ والعطشُ، وربَّ قائمٍ حظُّهُ من قيامِهِ السَّهرُ»( ).
فإذا عرفَ المسلمُ هذهِ الحقيقةَ، وتركَ شهواتِ نفسِهِ وما حرَّمهُ عليهِ ربُّهُ، نالَ أجرَ الصَّابرينَ الذين يُوفَّونَ أجرَهم بغيرِ حسابٍ.
فالصَّومُ ليسَ خاصًّا بشهوتَيِ البطنِ والفرجِ فقط، بل لا بُدَّ من صومِ العينِ عن النَّظرِ إلى المحرَّماتِ، وصومِ الأذنِ عن الاستماعِ إلى المنكراتِ، وصومِ اللِّسانِ عن الكذبِ والغيبةِ والبهتانِ، وصومِ الرِّجلِ عن السَّعيِ إلى كلِّ ما لا يُرضي اللهَ – عزَّ وجلَّ –.
قالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ – رضيَ اللهُ عنهما –: «إذا صمتَ فليصمْ سمعُكَ وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمحرَّماتِ، ودعْ أذى الخادمِ، وليكنْ عليكَ وقارٌ وسكينةٌ يومَ صيامِكَ، ولا تجعلْ يومَ فطرِكَ وصومِكَ سواءً»( ).
وإذا كانَ اللهُ – جلَّ وعلا – قد أمرَنا في رمضانَ خاصَّةً بتركِ الطَّعامِ والشَّرابِ – وهما من المباحاتِ –، فإنَّ الأمرَ بتركِ المحرَّماتِ والمنكراتِ أولى وأوجبُ؛ وهي منهيٌّ عنها في كلِّ وقتٍ، وفي الأوقاتِ المُعظَّمةِ تكونُ أشدَّ حُرمةً. ومن تقرَّبَ إلى اللهِ – تعالى – بتركِ المباحاتِ، وهو مُقيمٌ على المعاصي والمنكراتِ، كانَ كمن يتركُ الفرائضَ ويتقرَّبُ إلى اللهِ بالنَّوافلِ! ( ).
وللهِ دَرُّ أبي بكرٍ غالبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عطيَّةَ المُحاربيِّ إذ يقولُ:
إذا لم يكنْ في السَّمعِ منِّي تصاوُنٌ … وفي بصري غَضٌّ وفي منطقي صمتُ
فحظِّي إذنْ من صوميَ الجوعُ والظَّما … وإن قلتُ إنِّي صُمتُ يومًا فما صُمتُ( ).
فاللهمَّ تقبَّلْ صيامَنا وقيامَنا، وأعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادتِكَ؛ اللهمَّ آمين.
وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على سيِّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
د. ياسين عبدالله يكتب: حقيقةُ الصِّيام