قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: سقوط القلاع الزجاجية وانكسار هيبة التاج

ياسر إبراهيم عبيدو
ياسر إبراهيم عبيدو

​في لحظة فارقة من عمر التاريخ، وبينما كان الضباب اللندني يلف أروقة القصور العتيقة، تهاوت أسطورة الحصانة التي ظن البعض أنها عصية على الانكسار. لم تكن مجرد عملية أمنية عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن نهاية حقبة "القداسة المتوهمة"، حيث لم تشفع الألقاب ولا الدماء الملكية لصاحبها حينما اصطدمت بصخرة الواقع المرير والملفات التي أزكمت الأنوف ببشاعتها.
​إن ما شهدته ردهات قصر ويندسور وساندينجهام من مداهمات، يضعنا أمام تساؤل جوهري حول طبيعة النفوذ حينما يفسد، وحينما يتحول المنصب العام إلى ستار لممارسات يندى لها الجبين. لقد تجاوزت القضية حدود الفضيحة الأخلاقية لتدخل في نفق التآمر على مصالح الدولة وتسريب المعلومات الاستخباراتية، ما جعل الغطاء يرتفع تماماً عمن ظن أن عرشه يحميه من المساءلة.
​وهنا نستحضر في وجداننا الإيماني العميق الحقيقة الخالدة التي أرساها المولى عز وجل في كتابه الكريم، حينما بين لنا أن الظلم والفساد هما مؤذنان بخراب العمران وزوال النعم، حيث يقول سبحانه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}. فالسقوط هنا ليس سقوطاً لشخص بمفرده، بل هو تدمير لمنظومة الاستعلاء بالمنصب والتجرؤ على حقوق الضعفاء والقاصرين.
​هذا الانكسار الذي نراه اليوم في أروقة "ويندسور" ليس مجرد إجراء قانوني بحق فرد، بل هو زلزال يضرب القواعد التي استندت إليها حصانات القرون الخالية. وتلك الصيحات التي تعلو اليوم مطالبة بالعدالة للقاصرات والضحايا، هي صدى لسنوات من القهر الذي مورس في الخفاء، تحت ستار من النفوذ والجاه الزائف. لقد توهم البعض أن الجدران العالية ستحجب الرؤية عن العيون، وأن الألقاب ستظل درعاً واقياً من رياح التغيير، ولكن سنن الكون تخبرنا بغير ذلك؛ فما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.
​إننا أمام حالة من "الارتباك الكوني" في دوائر النفوذ؛ هذا الأمير الذي جُرد من مهامه الرسمية وصار ملاحقاً بمداهمات الفجر، يمثل حلقة الوصل في سلسلة من الجرائم التي لم تعد مجرد نزوات عابرة، بل غدت "تجارة عوارض" منظمة. وتلك الوثائق المصادرة، من هواتف وأجهزة كمبيوتر ومراسلات مشفرة، هي الصندوق الأسود الذي يخشى الجميع فتحه؛ لأن ما فيه قد لا يسقط أفراداً فحسب، بل قد يزلزل أنظمة وهياكل سياسية كاملة.
​وفي المشهد الأخير لهذا الفصل، نرى الأمير الذي كان يوماً ملء السمع والبصر، يقف وحيداً في مواجهة المحققين في يوم ميلاده الذي تحول من احتفال بالوجود إلى مساءلة عن الموجودات. لقد خفتت أضواء القصر، وتوارى المدافعون، وبقي الحق وحده يطالب باسترداد ما سُلب. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.
​السؤال الذي يطرحه قلمنا الآن: هل ستكتفي العدالة بتقديم "كبش فداء" ملكي لتهدئة الرأي العام، أم أننا بصدد عملية تطهير جذرية لا تفرق بين أمير وغفير؟ هذا ما ستكشفه الأيام الحبلى بالمفاجآت، وتلك هي الضريبة التي يجب أن تدفعها المؤسسات العريقة لكي تبقى حية في ضمير شعوبها؛ فالحق مرّ المذاق، لكن عاقبته هي النجاة.