قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: العمر لا يقاس بالزمن

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

عندما ندرك ماهية الخير، ونكتشف دروبه، ونقتنع بثمرة نتاجه، ونكتسب ممارساته؛ فإن التمسك بسياجه، يعد من أفضل القيم، وأزكاها؛ لذا فقد خلقنا الله -تعالى- على هذه الأرض لغاية الاستخلاف؛ حيث عمارة الأرض، ونشر العدل في خضم أسوار الفضيلة؛ كي يحيا الإنسان بكرامة، ويستطيع أن يؤدي رسالته بما ينسجم مع فطرته السوية، وإراداته الحرة؛ حينئذٍ يوقن ما عليه من واجبات، ويحرص على أداء مهامه بإتقان، ويتمسك بالحقوق المشروعة، ويعزّز فضائل من شأنها أن تشيع مناخ الأمن، والأمان، والطمأنينة؛ ومن ثم فإنه يصبح كالشمس، طلعته تضيء جوانب مكانه.
بعد الرحيل لا يتبقى من أثرنا إلا سيرة يتبادلها كل من يهتم بأمرك، ويتعاطى تفاصيل سجل حياتك، كل ما يكنُّ لك المحبة في القلوب؛ لكن الأبقى أثرًا ما تتركه من بصمات، تتمثل في مشاتل الخير المروية بعطاء منك عن طواعية؛ حيث ما ينفع الناس، وما يصلح من أحوالهم، وما يؤثر إيجابيًا في وجدانياتهم، وما يضيف إلى رصيد الخبرة لديهم، وما يسهم في زيادة خبراتهم نحو عمارة الأرض؛ فما أجمل! قول ربنا في كتابه العزيز «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ» (الرعد: 17).

الموت سُنّةٌ كونية ماضية، لا يردّها طولُ زمانٍ، ولا يقصِرها قِصرُه، كونه قدرًا محتومًا، ومن ثمّ، فإن مسؤوليتنا أن نصوغ، أو نصنع أثرًا باقياً، ينفع البشرية جمعاء، ويضيف لبنةً في صرح العمران في مجال من مجالاته؛ لتتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، وتمضي به قُدمًا في درب النهضة، والإعمار، وبناءً عليه فإنه يتبدّى لنا أن قيمة العمر تُقاس بما يُخلِّفه الفرد من أثر، لا بما يستهلكه من زمن؛ لذا فإن مراجعة الذات قد أضحت ضرورةً أخلاقية، نُحسّن بها أقوالنا، وأفعالنا عن وعيٍ، وقصد؛ سعيًا إلى غايةٍ كبرى، تُثمر نفعًا باقياً.

حينما ترى بأم عينيك رجلًا، يحب الخير، ويمشي في دروبه، ويناضل من أجل خدمة الناس، ويقدّم التضحية من ماله، ووقته، وجهده؛ فاعلم أنه فقيها بالنتاج، وأن تجارة لا ريب فيها رابحة، وأن إدراكه لفلسفة الحياة قويمة، وفي إطارها السليم، وأن قلبه قد بات مطمئنًا، لا يشغله إلا العمل الصالح؛ لذا أعتقد أن هذه النماذج المضيئة، وما أكثرها! تعد قدوة في المسير، بل ينبغي أن نستظل بخطاها؛ فقناعتي أن من ذاق حلاوة، وطلاوة العطاء، يصعب أن يتخلى عنه، مهما تفاقمت التحديات، وتكاثرت الصعوبات، وازدادت تموجات الأحداث.
قلوبُ الخير، والمريدةُ للعطاء، تزدهرُ أيّامُها بخدمةِ الجميع، دون استثناء؛ فتغدو الحياةُ في أنفاسها بعثة سامية، تحمل الصلاح، وفي خُطاها رحمةٌ، وفي عطائها نورٌ، يبدّد الظلمة، وإن قصرت أيامُها في دنيا الفناء، وغابت الأجسادُ عن مرمى العيون، فإن الرسالة لا تغيب؛ كونها حفرت أثرها في أفئدة الناس، وغرست بذور الخير في تربة الضمائر، فسقى الزمانُ طيبَها، فلم تذروه الرياح؛ ومن ثمّ نوقن أن العمرَ الحقيقي ليس بطول السنين، بل بعمق الأثر، وأن المعيشة المفعمة بالنفع، والبر تستحق أن تُعاش، وتُخلَّد في ذاكرة القلوب.

العمر لا يُقاس بالزمن، مقولةٌ يراد بها إدراك الحقيقة؛ فليس من المعقول أن نغفل عن الواقع، ونقف عند عتبة الوهم، عبر تكريس جهودٍ، تستهدف بناء مجد شخصي، يزول باعتناق الروح، ويُنسى مع مجريات الأحداث المتسارعة، والأدوار المتقلبة، والنفوس المتغيرة؛ فمن يتضامن معك اليوم لمصلحةٍ في دنياه، لن يذكرك بخير بعد رحيلك؛ لذا، فلنحصد مزيدًا من دروب الخير، ونبعث الأمل في النفوس، ونضع فلسفاتٍ، تحمل إيجابية العطاء، ونعزّز مسيرة البذل، ونتآزر مع كل صاحب فضل على الناس، ونشدُّ على أعضاده؛ لتعُمَّ الفائدة، ويتكاثر أصحاب القلوب الحاملة لمعان الخير في أرجاء المعمورة؛ فما أقصرها! من حياة، وما أجملها! من رسالة الإعمار، التي يبقى أثرها خالدًا.. ودي ومحبتي لوطني، وللجميع.