أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن الإنسان في رحلته في الحياة كثيرًا ما يثقل كاهله بالصراعات والهموم، حتى يشعر بأن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، فيبحث عن الأمان والهدوء الذي لا يزول، مشيرًا إلى أن السكينة هي تلك الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب تحوّل الضيق إلى سعة، والفقر إلى غنى، والوحشة إلى أنس، موضحًا أن الطريق إلى هذه السكينة يبدأ عندما يهاجر الإنسان بقلبه إلى القرآن الكريم ويستلهم من خطى الصحابة والتابعين كيف تبقى القلوب مضيئة في عواصف الحياة.
وأوضح خلال تصريح، أن من أعظم أبواب السكينة التي يغفل عنها كثير من الناس سكينة الوضوح والصدق، فحين يخفي الإنسان الحقيقة أو يزيّف الواقع يشعر بثقل في صدره وارتباك في صوته، لأن الكذب والمواراة يضعان على الأعصاب أحمالًا ثقيلة، ويجعلان الإنسان يعيش دائم القلق خوفًا من انكشاف المستور، بينما الصدق ليس مجرد فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو راحة نفسية عظيمة، لأن من صدق استغنى عن ذاكرة قوية تحفظ الأكاذيب، واستراح قلبه من خوف الفضيحة.
وأشار إلى أن السكينة الحقيقية تسكن في حالة التصالح بين ما يبطنه الإنسان وما يظهره، مستشهدًا بقول الله تعالى: «قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم»، مبينًا أن نفع الصدق لا يبدأ في الآخرة فقط، بل يبدأ في الدنيا أيضًا، لأن الصادق لا يعيش حالة انقسام داخلي، بل يسير قلبه ولسانه في اتجاه واحد، وهذا التناغم الداخلي هو الذي يطرد القلق ويجعل النفس تسكن إلى حقيقتها.
وأضاف أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم النموذج الأعظم في هذا المعنى، فقد عُرف قبل البعثة بلقب الصادق الأمين، وكان الصدق حبل النجاة الذي امتد إلى أصحابه، مستشهدًا بقصة الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه عندما تخلف عن غزوة تبوك، إذ كان يستطيع أن يختلق الأعذار كما فعل المنافقون، لكنه اختار سكينة الصدق على قلق الكذب، فوقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم صادقًا معترفًا بالحقيقة، فخلّد الله صدقه في القرآن الكريم.
وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم الأمة أن «الصدق طمأنينة والكذب ريبة»، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العلماء أكدوا هذا المعنى، فالإمام الأوزاعي قال: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت لما أجد في الصدق من برد اليقين، كما ذكر ابن القيم أن الصدق هو سيف الله في أرضه، ما وُضع على شيء إلا قطعه، فإذا استقام لسان العبد بالصدق استقام قلبه بالحياء، وإذا استقام قلبه نزلت عليه السكينة كالغيث.
وأوضح أن التدريب العملي للوصول إلى هذه السكينة يبدأ بأن يجعل الإنسان يومًا للوضوح، فيعاهد نفسه ألا ينطق بكلمة تخالف الحقيقة ولو على سبيل المزاح أو المجاملة، وإذا وُضع في موقف محرج فليختر الصمت أو الاعتذار بدل تزييف الواقع، ثم يراقب شعوره في نهاية اليوم ليرى أثر الصدق في خفة الصدر وطمأنينة القلب.
ولفت إلى أن علم النفس يؤكد هذا المعنى، فالكذب يضع الدماغ في حالة ضغط دائم لأنه يضطر لمراقبة ردود الأفعال وتذكر التفاصيل المزيفة وصناعة روابط وهمية، مما يستهلك طاقة ذهنية كبيرة ويؤدي إلى القلق المزمن، بينما الصدق يحقق ما يسمى باليسر المعرفي، حيث يفرز الدماغ إشارات الأمان عندما يتطابق ما يقوله الإنسان مع ما يعرفه.
وأكد أن معادلة السكينة الحقيقية تقوم على مطابقة الظاهر للباطن مع خوف الله تعالى لا خوف الناس، فحين يكون الإنسان صادقًا بلا أقنعة ولا رتوش يشعر بالسلام الداخلي الذي لا تهزه الرياح، لأن السكينة ليست غياب العواصف من الحياة، بل حضور الله عز وجل في قلب الإنسان وسط العاصفة.
ودعا بأن يرزقنا الله جميعًا الصدق ظاهرًا وباطنًا، وأن ينزل السكينة على قلوبنا، وأن يجعلنا ممن يقصدونه بقلوب منكسرة فيجدون عنده الطمأنينة والراحة.

