عادة ما تتشكل الأخاديد العميقة على سطح اليابسة عبر عمليات بطيئة تمتد لملايين السنين، نتيجة نحت الأنهار للصخور لكن في أعماق المحيطات تبدو القصة أكثر تعقيداً، إذ لا توجد أنهار أو جريان مائي مستمر قادر على حفر أودية في الصخور الصلبة.
ولكن تكشف قيعان البحار عن تشكيلات جيومورفولوجية هائلة تفوق في بعض الأحيان أكبر الأخاديد القارية حجماً.
ومن أبرز هذه التكوينات مجمع أخدود الملك المعروف باسم كينغز تراف، الذي يمتد لنحو ألف كيلومتر قبالة سواحل البرتغال، ويضم في طرفه الشرقي عمق بيك، أحد أعمق النقاط في المحيط الأطلسي.
أخدود يفوق “غراند كانيون” حجماً
يقول الجيولوجي البحري يورغ غيلدماخر من مركز أبحاث المحيطات في مدينة كيل إن أخدود الملك أعمق وأعرض بكثير من غراند كانيون، رغم أن كليهما تشكل بآليات جيولوجية مختلفة تماماً.
ورغم ضخامة هذا المعلم الغاطس، ظل العلماء لعقود يتساءلون عن الكيفية التي تشكل بها هذا الأخدود الهائل في قلب المحيط الأطلسي حتى إن بعض المقترحات القديمة طرحته كموقع محتمل للتخلص من النفايات النووية تحت الماء، نظراً لعمقه الشديد وبعده عن اليابسة.
بعثة علمية تكشف اللغز
للإجابة عن هذا السؤال، قاد فريق دولي من الباحثين بعثة علمية على متن سفينة الأبحاث سفينة ميتيور للأبحاث، حيث جمعوا بيانات جيولوجية وصخرية من أعماق تصل إلى عدة آلاف من الأمتار.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Geochemistry, Geophysics, Geosystems التابعة لـ الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، لتقدم تفسيراً جديداً لنشأة أحد أكبر الأخاديد البحرية على كوكب الأرض.
نظام ضخم من الخنادق والتلال
لا يُعد أخدود الملك مجرد وادي واحد في قاع البحر، بل نظاماً جيولوجياً معقداً يضم خنادق متوازية وتلالا بحرية وأحواضا عميقة محفورة في القشرة المحيطية.
ويمتد هذا النظام لنحو 500 كيلومتر في قاع المحيط الأطلسي، ما يجعله أحد أكبر أنظمة الأخاديد الغاطسة المعروفة.
ويزيد من غموضه أنه يقع بعيداً عن حدود الصفائح التكتونية التقليدية أو هوامش القارات، الأمر الذي جعل تفسير نشأته تحدياً علمياً استمر لعقود.
عندما تصادمت قوى الأرض
تشير الدراسة إلى أن الفترة بين 37 و24 مليون سنة مضت كانت مرحلة حاسمة في تشكل الأخدود ففي تلك الحقبة مر الحد التكتوني الفاصل بين قارتي أفريقيا وأوروبا مباشرة عبر الموقع الذي يشغله الأخدود اليوم.
وبدلا من انزلاق الصفائح بمحاذاة بعضها، تعرضت القشرة الأرضية في تلك المنطقة لعملية تمدد وتشقق نتيجة تباعد الصفائح، ما أدى إلى فتح القشرة تدريجياً من الشرق إلى الغرب وخلق نظام الخنادق الضخم.
دور الحرارة القادمة من أعماق الأرض
لكن التمدد التكتوني لم يكن العامل الوحيد فقد كشفت التحليلات أن القشرة المحيطية في المنطقة كانت أكثر سماكة وحرارة من المعتاد.
ويرجح العلماء أن السبب يعود إلى صعود مواد شديدة السخونة من أعماق وشاح الأرض، وهي ظاهرة تعرف باسم عمود الوشاح ويعتقد الباحثون أن هذا النشاط كان مرتبطاً بمرحلة مبكرة مما يعرف اليوم بعمود وشاح جزر الأزور.
وقد أدى هذا النشاط الحراري عبر ملايين السنين إلى تكوين قشرة محيطية سميكة على جانبي مناطق الانتشار، الأمر الذي ساعد لاحقا على تشكل أخدود الملك عندما بدأت الصفائح في التباعد.
نهاية التشكل وبداية الاستقرار
في مرحلة لاحقة، انتقل الحد الفاصل بين الصفائح التكتونية إلى موقعه الحالي على طول منطقة صدع صدع جزر الأزور–جبل طارق، وهو ما أدى إلى توقف عملية تعميق الأخدود وتوسعه.
ومنذ ذلك الحين بقي هذا النظام الجيولوجي العملاق شاهداً على مرحلة ديناميكية من تاريخ المحيط الأطلسي.
نافذة لفهم أعماق الكوكب
استندت الدراسة إلى بيانات جُمعت خلال بعثة علمية عام 2020، استخدم فيها الباحثون أنظمة سونار عالية الدقة لرسم خرائط تفصيلية لقاع البحر، إضافة إلى استخراج عينات صخرية وتحليلها جيو كيميائيا وتحديد أعمارها باستخدام تقنيات متقدمة.
وتكشف هذه النتائج كيف يمكن لقوى خفية تعمل في أعماق الأرض أن تنحت، عبر ملايين السنين، بعضاً من أعظم المعالم الجيولوجية على كوكبنا، حتى تلك المختبئة في أعماق المحيطات.
ظواهر مشابهة تحدث اليوم
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على فهم ماضي المحيط الأطلسي، بل تشير الدراسات إلى أن عمليات مشابهة قد تكون جارية حالياً ففي منطقة الأزور يتشكل نظام خنادق جديد يعرف باسم صدع تيرسيرا، في منطقة تتميز أيضاً بقشرة محيطية سميكة بشكل غير معتاد.
ويؤكد العلماء أن دراسة هذه الأخاديد البحرية قد تساعد على فهم أفضل لكيفية تفاعل حركة الصفائح التكتونية مع النشاط الحراري في أعماق الأرض، وهو تفاعل يشكل ملامح كوكبنا منذ ملايين السنين.





