رصد علماء الفلك جسما سماوياً غامضا يتحرك بسرعة هائلة قد تجعله يغادر مجرتنا نهائياً، في اكتشاف يثير تساؤلات جديدة حول طبيعة الأجسام النادرة في الكون وأصولها.
فقد أعلن باحثون يعملون ضمن مشروع البحث عن الكوكب التاسع التابع لوكالة ناسا عن اكتشاف جرم فلكي يتحرك بسرعة تقارب 1.6 مليون كيلومتر في الساعة، وهي سرعة كافية للهروب من جاذبية مجرة درب التبانة والانطلاق نحو الفضاء بين المجرات.
سرعة غير مألوفة في مجرتنا
في العادة، تدور معظم النجوم حول مركز مجرتنا بسرعة تقارب 220 كيلومتراً في الثانية لكن الجسم الجديد يتحرك بسرعة تفوق ذلك بكثير، ما يجعله ضمن فئة نادرة تعرف باسم الأجسام فائقة السرعة التي يمكن أن تنفلت من قبضة المجرة.
ويحمل الجرم الاسم العلمي CWISE J124909.08+362116.0، وقد جرى اكتشافه أثناء تحليل بيانات الأشعة تحت الحمراء التي جمعها مرصد الفضاء وايز
وقد نُشرت تفاصيل هذا الاكتشاف في مجلة The Astrophysical Journal Letters، حيث وصفه العلماء بأنه أحد الأجسام فائقة السرعة النادرة التي رُصدت داخل مجرة درب التبانة.
لغز فلكي بين النجوم والكواكب
لا تكمن غرابة هذا الجرم في سرعته فقط، بل في طبيعته الغامضة أيضا فالدراسات تشير إلى أنه قزم بني معزول يتميز بلون أحمر شديد يشبه الياقوت، وهي درجة لون لم تُرصد بهذه الوضوح من قبل في أجسام مماثلة.
وتُعد الأقزام البنية فئة فريدة من الأجرام السماوية، إذ تقع في المنطقة الفاصلة بين النجوم والكواكب الغازية العملاقة فهي أكبر بكثير من الكواكب، لكنها لا تمتلك كتلة كافية لإشعال الاندماج النووي في قلبها مثل النجوم لكن هذا الجسم لا يطابق تماماً خصائص أي من الفئتين، ما يجعله لغزاً فلكياً قد يساعد العلماء على فهم كيفية تشكل النجوم والأنظمة الكوكبية في المراحل المبكرة من تاريخ المجرة.
ومن المثير أيضاً أن تركيبته الكيميائية تبدو فقيرة بعنصر الحديد مقارنة بمعظم النجوم، وهو ما يشير إلى احتمال كونه جسماً قديما نشأ في بدايات تكون مجرة درب التبانة.
الهواة يشاركون في الاكتشاف
اللافت في هذا الاكتشاف أنه لم يكن نتيجة عمل علماء محترفين فقط، بل ساهم فيه أيضاً متطوعون من مختلف أنحاء العالم عبر مشروع Backyard Worlds: Planet 9، الذي يتيح للهواة تحليل بيانات التلسكوبات الفضائية.
وقد نجح المشاركون في المشروع حتى الآن في المساعدة على اكتشاف أكثر من 4000 قزم بني داخل مجرتنا، ما يعكس الدور المتنامي لعلماء الفلك الهواة في دعم الأبحاث العلمية الحديثة.
ما الذي دفعه إلى هذه السرعة؟
يحاول العلماء حالياً تفسير السرعة الهائلة لهذا الجرم، وقد طُرحت عدة فرضيات محتملة، أبرزها أنه كان جزءا من نظام نجمي مزدوج انفجر فيه أحد النجوم في حدث يعرف باسم Supernova، ما أدى إلى قذفه بعيداً بسرعة هائلة، أو أنه مر بالقرب من ثقوب سوداء متعددة داخل عنقود نجمي كثيف، حيث أدت التفاعلات الجاذبية المعقدة إلى طرده بسرعة كبيرة.
وفي كلتا الحالتين، تشير الحسابات الفلكية إلى أن هذا الجرم يسير حالياً في مسار قد يقوده إلى مغادرة مجرة درب التبانة نهائياً خلال ملايين السنين القادمة، ليصبح واحداً من الأجسام القليلة التي تعبر المسافات الشاسعة بين المجرات.





