قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة عن جرائم التحـ.ـرش الإلكتروني

خطبة الجمعة
خطبة الجمعة

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقبلة بعنوان "جرائم التحرش الإلكتروني"، وخصصت الوزارة الإصدار السادس والأربعين من سلسلة زاد الأئمة لموضوع خطبة الجمعة، مشيرة إلى أن الهدف المراد توصيله هو التوعية بمخاطر الإنترنت ومن أبرزها التحرش الإلكتروني.

الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة عن جرائم التحـ.ـرش الإلكتروني

ونشرت وزارة الأوقاف نص موضوع خطبة الجمعة المقبلة الموافق 27 مارس وجاء نص الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فإن من أخطر الجرائم المعاصرة التي أخذت تنخر في جسد المجتمعات وتؤرق ضمائر العقلاء؛ جريمةَ التحرّش الإلكتروني، ذلك السلوك المنحرف الذي يُقصد به تعمُّد إيذاء الآخرين عبر الوسائط الرقمية (وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، تطبيقات الدردشة)، من خلال الرسائل غير اللائقة، أو الابتزاز، أو نشر الصور والمعلومات الخاصة، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإفساد والإضرار.

وهذا الصنيع في ميزان الشريعة الإسلامية سلوكٌ محرّم؛ لما يتضمنه من انتهاكٍ للأعراض، وخدشٍ للحياء، وعدوانٍ على الكرامة الإنسانية، وقد جاءت النصوص الشرعية مؤكدةً صيانة العرض، ومشددةً في تحريم كل ما يؤدي إلى انتهاكه قولًا أو فعلًا أو إشارة، وإليك بيان خطر هذه الجريمة وكيفية معالجة الشريعة الإسلامية لها.

التحرش جريمة في الشرع وفساد في الأرض:

قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].

إن التَّحَرُّش بجميعِ أَنْوَاعِهِ سواءٌ أكانَ لَفْظِيًّا أَوْ جَسَدِيًّا أَوْ بَصَرِيًّا أَوْ إِلِكْتْرُونِيًّا يُعد فِعْلًا مُحَرَّمًا شَرْعًا، وَجَرِيمَةً تُنَافِي مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ العِرْضِ وَصِيَانَةِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، فالإسلامُ دينُ الطُّهْرِ وَالعِفَّةِ، وَقَدْ جَاءَتِ النُّصوصُ القُرآنِيَّةُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تُؤَكِّدُ حُرْمَةَ كُلِّ مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَتُشَدِّدُ فِي الوَعِيدِ عَلَى فَاعِلِهِ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨]، فهذه الآيةُ تُحَرِّمُ كُلَّ أَذًى يُوَجَّهُ إِلَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّحَرُّشُ الجِنْسِيُّ بِكُلِّ صُوَرِهِ، وقالَ: {قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن} [الأعراف: ٣٣] [المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف المصرية].

والتحرش الإلكتروني أذى معنوي ونفسي شديد، والآية الكريمة تصف هذا الفعل بأنه بهتان وإثم مبين. "أي: والذين يرتكبون في حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم في أعراضهم أو في أنفسهم أو في غير ذلك مما يتعلق بهم، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات قد فعلوا ما يوجب أذاهم، {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِينًا} أي: فقد ارتكبوا إثما شنيعا، وفعلا قبيحا، وذنبا ظاهرا بينا؛ بسبب إيذائهم للمؤمنين والمؤمنات ... وجمع سبحانه في ذمهم بين البهتان والإثم المبين؛ للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه في حق المؤمنين والمؤمنات؛ إذ البهتان هو الكذب الصريح الذي لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لشدته وبعده عن الحقيقة، والإثم المبين: هو الذنب العظيم الظاهر البين، الذي لا يخفى قبحه على أحد..." [التفسير الوسيط].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:: «‌الْمُسْلِمُ ‌مَنْ ‌سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه].

وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه مسلم] ".

فهذا أبو موسى الأشعري، يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل خصال الإسلام، وعن أفضل المسلمين العاملين بأفضل الخصال، ليحرص على الفضيلة ويسعى نحو الكمال الديني، ويعمل جهده ليكون من خير المسلم، ويجيبه صلى الله عليه وسلم: خير المسلمين هو الذي يمسك لسانه عن طعن الناس، ويحفظ ما بين فكيه عن الإساءة للمسلمين بالقول أو بالإشارة، وهو الذي يمسك يده وجميع جوارحه، ويحبس شرورها وأذاها، فلا يمد يده لحق الغير، ولا تمشي رجله للإضرار بأحد، ولا يتحرك فكره وقلبه للإيقاع أو الظلم أو الإيلام، المسلم الكامل هو الذي يسلم الناس من شروره وأذاه، والمؤمن الكامل هو الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ..." [فتح المنعم شرح صحيح مسلم].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ ‌الْمُسْلِمِ ‌عَلَى ‌الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم].

وعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رواه أبو داود].

خطورة اتباع خطوات الشيطان:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: ٢١].

قد يظنُّ بعضُ الناس أنَّ التحرّشَ من وراء الشاشاتِ أخفُّ وطأةً، وأهونُ جرمًا من نظيره في الواقع، وذلك وَهْمٌ عظيم؛ فالمعصيةُ لا تُقاسُ بمكان وقوعها، بل بحقيقتها وأثرها، وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أبوابَ الفتنة قد تُفتَحُ بنظرةٍ أو كلمة، فقال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ‌ابْنِ ‌آدَمَ ‌حَظَّهُ ‌مِنَ ‌الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تتمنى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أو يُكَذِّبُهُ» [متفق عليه].

قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "فالزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره" [فتح الباري].

قال الإمام ابن بطال: "وإنما ‌سمى ‌النظر والمنطق ومنى النفس وشهوتها زنا؛ لما كانت دواعي إلى الزنا، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازًا واتساعًا؛ لما بينهما من التعلق" [شرح صحيح البخاري].

وفي ضوء هذا البيان النبوي، يتّضح أنَّ ما يُمارَس عبر الوسائط الإلكترونية من كلماتٍ خادشة، أو رسائل مُحرِّضة، أو تلاعبٍ بالمشاعر، إنما يندرج ضمن هذه المداخل الخطيرة التي تُفضي إلى الحرام، وتُفسد القلوب، وتُهدِر الكرامة، فالشاشةُ لا تُغيّر من حقيقة الذنب، ولا تُخفّف من وزره، بل قد تزيده خطرًا؛ لاجتماع الخفاء، وسهولة التمادي، واتساع دائرة الأذى.

ومن هنا نهى الله عز وجل عن السبل المؤدية إلى فعل هذه الفاحشة، فقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: ٣٢].

من صور التحرش الإلكتروني:

التشهير الرقمي "وتحسبونه هينا"

حذَّر القرآن الكريم من هذا المسلك تحذيرًا بالغًا، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون}[النور: ١٩]، فكيف بمن لا يكتفي بالمحبة، بل يُسهم فعلًا في نشرها، ويُروّج لها عبر الفضاء الرقمي؟! إنَّ المتحرّش إلكترونيًا، ولا سيما من يتورّط في نشر الصور أو استخدامها وسيلةً للابتزاز، إنما يشارك في إشاعة الفاحشة، ويهدم سياج الحياء الذي به صلاحُ المجتمعات واستقرارها.

وهكذا يتحوّل الفعل الذي قد يظنّه صاحبه عابرًا، إلى جريمةٍ مركّبة؛ عدوانٌ على الأفراد، وإفسادٌ للقيم، وتجرئةٌ للآخرين على انتهاك الحرمات، وما أشدّها من خيانةٍ حين تُستباح الخصوصيات، وتُتَّخذ الثقةُ جسرًا للإيذاء!

قال العلامة الطاهر ابن عاشور: "... ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن ألا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين، ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها، وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها، بله الإقدام عليها رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر، وخف وقع خبرها على الأسماع؛ فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع، فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة، هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب، ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون} أي: يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا، وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر، وهذا كقوله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النُّور: ١٥]" [التحرير والتنوير].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفَاحِشَ المُتَفَحِّشَ» [الأدب المفرد].

 فدلَّ ذلك على أنَّ الفُحشَ، وهو كلُّ قولٍ أو فعلٍ قبيح، سلوكٌ ممقوتٌ في ميزان الشرع، مرفوضٌ في فطرة الإنسان السوي، ويشمل في صوره المعاصرة التحرّشَ بكل أشكاله؛ لفظيًّا كان أو جسديًّا أو رقميًّا.

وقد جاء الإسلامُ ليُعلي من شأن الكرامة الإنسانية، ويُحيطها بسياجٍ من الحفظ والصيانة، فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: ٧٠]، فكانت هذه الكرامة أصلًا ثابتًا لا يجوز انتهاكها، ولا التعدّي عليها بأي صورة من الصور.

وعليه، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يمسَّ حياءَ غيره، أو يُؤذيه بكلمةٍ جارحة، أو تصرّفٍ مُهين، أو سلوكٍ مُتعدٍّ، سواء أكان ذلك في واقع الناس المباشر، أم في العالم الافتراضي الذي لا تقلّ فيه الحقوق حرمةً، ولا تخفّ فيه المسئولية، فكلُّ اعتداءٍ على الكرامة، هو خرقٌ لحدود الله، وإثمٌ يُساءل عنه صاحبه، وإن توارى خلف الشاشات.

الابتزاز الإلكتروني:

هو من أخطر صور التحرّش الإلكتروني؛ حيث يستغلُّ ضعافُ النفوس الثقةَ أو الغفلة، فيهددون بنشر صورٍ أو رسائل، ليوقعوا الضحية في الحرام، أو ليستنزفوا مالها وكرامتها، وهذه جريمةٌ مركّبة، تجمع بين الظلم والخيانة والإيذاء، والله تعالى يقول: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: ١٩].

وقد قرَّر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدةً جامعة بقوله: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه الطبراني]، فكل ما فيه أذى للناس فهو محرَّمٌ مردود.

وإن وسائلَ التواصل التي بين أيدينا إنما هي أمانة، إمّا أن تكون سبيلًا إلى الخير ونشر العلم والرحمة، أو تتحول إلى أداةٍ للفضيحة والإفساد، ومن عجز عن نفع الناس، فليكتفِ بكفِّ شرّه عنهم، ففي ذلك صدقةٌ عليه، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم.

وليتذكّر كل امرئ أن هذه الأجهزة التي يظنها صامتة، ستنطق يوم القيامة شاهدةً عليه، قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: ٢٤]، فلا كلمةٌ تُكتب، ولا صورةٌ تُرسل، إلا وهي محفوظة في كتابٍ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرة.

إن التكنولوجيا نعمةٌ عظيمة، فلا تجعلها بابًا للهلاك، بل اجعلها طريقًا إلى رضوان الله؛ فإن "بصمتك الرقمية" إمّا أن تكون نورًا يمتدّ أجره بعدك، أو ظلمةً تتبعك تبعاتها، فاختر لنفسك ما تحب أن تلقى الله به.

والحذر الحذر من الاستهانة بمثل هذه الأفعال، واستحضارُ رقابة الله في كل ما يُنشر ويُتداول، فإن الكلمةَ والصورةَ أمانة، إمّا أن تكون سترًا ورحمة، أو تكون وبالًا وحسرة.

التحرّش بالألفاظ البذيئة والعبارات الساقطة:

حيث تنفلت الألسن خلف الشاشات بما لا يليق، وقد نهى الشرع عن ذلك أشدّ النهي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُم والفُحش؛ فإن الله لا يُحبُّ الفاحِشَ والمُتفحِّش» [رواه ابن حبان].

وقال: «ليس المُؤمنُ بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحِش البَذِيء» [رواه الترمذي وأحمد].

 فدلّ ذلك على أن طهارة اللسان من علامات الإيمان، وأن خُبث القول مسلكٌ مذمومٌ ممقوت.

التحرّش عبر الرسائل الإلكترونية

حيث يتسلّل المعتدي إلى ضحيته بكلماتٍ ماكرة، أو تهديدٍ خفيّ، أو استدراجٍ خبيث، قد ينتهي بابتزازٍ أو نشرٍ لخصوصياتٍ لا يجوز كشفها، وهذا من الفواحش الباطنة التي حذّر الله منها بقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: ١٥١]، لما فيه من انتهاكٍ للستر، واعتداءٍ على الحرمات.

التفاعل مع مقاطع الرذيلة ونشرها، عبر منصّات التواصل

حيث يُسهم البعض -بقصدٍ أو بغير قصد- في إشاعة الفاحشة، وترويج الفساد، وإغراء النفوس بالمنكر، وقد توعّد الله على ذلك وعيدًا شديدًا، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون} [النور: ١٩]، فكيف بمن يبثّها، أو يروّج لها، أو يُعين على انتشارها؟!

إنها مسئوليةٌ عظيمة، فكلُّ من نشر شرًّا أو دلّ عليه، حمل وزره ووزر من تبعه، كما قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: ٢٥]، وقال تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: ١٣].

أضرار التحرش وعواقبه:

الجمع بين المنكرات: والمُتَحَرِّش الذي أَطْلَق سهام شهوته جامعٌ بين منكرات، منها: استراق النظر، خَرْق خصوصية الغير، والإيذاء النفسي للضحية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَر» [متفق عليه].

التحرش من صفات المنافقين: بل إنَّ هذه الفِعْلة القبيحة من شأن المنافقين الذين قال الله فيهم : {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: ٦٠-٦٢].

 قال الإمام الفخر الرازي: "الذي في قلبه مرض: الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه" [مفاتيح الغيب].

التحرش إثم عظيم: إذ اجتمع فيه إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير جريرة ارتكبوها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: ٥٨].

شرار الخلق هم المتحرشون: ففحشهم يؤدي إلى اجتنابهم، والتحسس من التواصل معهم، قال صلى الله عليه وسلم : «إن شرَّ الناسِ منزِلةً عند الله يوم القِيامة: مَن ودَعَه أو ترَكَه الناسُ اتِّقاءَ فُحشِه» [رواه مسلم].

دعوة القرآن لاجتناب التحرش بكل صوره:

هذا نِداءُ القرآن الكريم للمُؤمنين بالنَّأيِ عن تتبُّع خُطوات الشيطان ومسالِكِه، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: ١٥١]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: ٢١]، كلُّ ذلك لسدِّ منافِذِ الشرِّ، ومَن يُحاوِلُ إشاعة الفاحِشة في الذين آمنُوا.

وقال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} [النور: ٣٠-٣١].

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا عَلِيُّ، لا تُتْبِعِ النظرةَ النظرةَ؛ فإنَّ لك الأُولَى وليستْ لك الآخِرَةُ»، وفي عالم الإنترنت، النظرة الأولى قد تقع خطأً، لكن الاستمرار في تقليب الصفحات والبحث هو النظرة الثانية المحرمة.

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي : "وكأن الحق سبحانه يريد ألّا نصلَ إلى الحدِّ المنهي عنه، وأنْ يكون بيننا وبينه مسافة، فقال {فَلَا تَقْرَبُوهَا}؛ لنظلّ على بُعْدٍ من النواهي، وهذا احتياط واجب حتى لا نقتربَ من المحظور فنقع فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم َ: «كالرَّاعي يرعى حول الحِمَى؛ يوشك أن يرتَعَ فيه» [رواه البخاري]، فالحق سبحانه خالق الإنسان، وهو أعلم به، لا يريد له أنْ يقتربَ من المحظور؛ لأن له بريقًا وجاذبية كثيرًا ما يضعف الإنسان أمامها؛ لذلك نهاه عن مجرد الاقتراب، وفَرْقٌ بين الفعل وقُرْبان الفعل، فالمحرّم المحظور هنا هو الفِعْل نفسه، فلماذا إذن حرَّم الله الاقتراب أيضًا، وحذّر منه؟

نقول: لأن الله تعالى يريد أنْ يرحَم عواطفك في هذه المسألة بالذات، مسألة الغريزة الجنسية، وهي أقوى غرائز الإنسان، فإنْ حُمْتَ حولها توشك أن تقعَ فيها، فالابتعاد عنها وعن أسبابها أسلَمُ لك" [تفسير الشعراوي].

مراقبة الله في الخلوات:

وإذا كان الشاب يعتقد أنه في الفضاء الإلكتروني لا يراه أحد وليس هناك رقيب على ما يقوم به، فهو مخطئ، لأن الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: ٥]، وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلَنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [غافر: ١٩]، وإذا كان الله عالمًا بكل شيء، ويحصي عليك ما تقوم به من قول وعمل، فإنه لا شك محاسبك على ما قمت به، وإن الجزاء من جنس العمل، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ – ٨].

وقال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: ١٠٨].

إن الأعراض في الإسلام تتكافأ مع الدماء في كونها محرمة، وقد أحيطت بسياج شديد من الحماية والصيانة والعصمة، ومن ثم فهي ليست كلأً مباحًا، بل نهى الإسلام عن الخوض فيها وعن مقارفتها بما لا يحل، وكان نهيه في هذا شديدًا وصريحًا، حيث قال الله: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: ١٢]، وكان مما أرساه نبينا صلى الله عليه وسلم من القيم والمبادئ في خطبة الوداع أنه قرر حرمة الدماء وجعل الأعراض تتساوى معها في هذه الحرمة، فقال: «فإنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم بينَكُم حَرامٌ» [رواه البخاري].

ومما يوحي بكبر جرم التحرش الإلكتروني أنه باب من أبواب التجسس على الغير، ولا ريب أن التجسس مما نهى عنه الإسلام أشد النهي، حيث قال الله: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: ١٢].

إن التحرش الإلكتروني يلتقي مع جريمة أخلاقية أخرى تقع في نطاق الأمور المنهي عنها، وهي جريمة "الخوض بالباطل"، وهذه الجريمة يكفي في قبحها وشناعة أثرها أنها تنتمي إلى مجالس السوء، والإعراض عن هذه المجالس وأهلها من علامات الإيمان، بل هي وصية الله لرسوله؛ قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: ٦٨]، وما كان الأمر بهذا الإعراض إلا لكون هذه الجريمة -الخوض في الباطل- تورث صاحبها مستقرًا في جهنم؛ فحينما سُئل أهل جهنم عن سبب استحقاقهم العذاب كان من بين الأسباب التي أبدوها {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [المدثر: ٤٥].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «كُفَّ عليك هذا» يعني لسانَه، قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمك، وهل يكبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهِم أو على مناخرِهِم إلا حصائدُ ألسنتِهِم»، [رواه الترمذي]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ» [متفق عليه].٤

وقوله صلى الله عليه وسلم: «كل ‌كلام ‌ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر» [رواه الترمذي]، فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى الله في لسانه فلا يتكلم إلا بخير أو يسكت.

وقال الأوزاعي: "منْ أكثرَ ذكرَ الموتِ كفاه اليسيرُ، ومنْ علمَ أنَّ منْطِقَهُ من عملِهِ قَلَّ كلامُهُ".

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من صنف من الناس تفنى حسناتهم يوم القيامة، قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ... أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» [رواه ابن ماجة والطبراني]، الإنترنت اليوم هو أعظم اختبار لصدق الخلوة مع الله.

أربى الربا:

عَنْ عَائِشَةَ ر ضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «أَخْبِرُونِي مَا أَرْبَى الرِّبَا؟»​ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتِحْلَالُ عِرْضِ الْمُسْلِمِ»، ثُمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨]» [رواه البيهقي في "شعب الإيمان"].

حفظ العرض من مقاصد الشريعة:

قال العلامة الطاهر ابن عاشور: "فالناس سواءٌ في البشرية في حقوق الحياة بحسب الفطرة، وهم متساوون في أصول التشريع، وذلك في حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسب، وحفظ المال، وحفظ العقل، وزاد بعضهم حفظ العرض" [مقاصد الشريعة الإسلامية].

- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يوم النحر «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» [رواه مسلم].

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ مَالُهُ، وَعِرْضُهُ، وَدَمُهُ، حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» [رواه أبو داود].

رسائل للمتحرشين:

- التحرش من أفعال المنافقين: في المدينة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا الصنف الخبيث من الناس يؤذون المؤمنين بتحرشهم بالنساء؛ فنزلت القرآن بالعقوبات الرادعة التي تتناسب مع أفعال هؤلاء المرجفين والمنافقين؛ بما يضمن للدولة استقرارها، ويحفظ للمواطنين أعراضهم قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: ٦٠، ٦١].

عن ابن زيد قال: "هؤلاء صنف من المنافقين {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أصحاب الزنا، قال: أهل الزنا من أهل النفاق الذين يطلبون النساء فيبتغون الزنا، وقرأ: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: ٣٢]، قال: والمنافقون أصنافٌ عشرة في براءة، قال: فالذين في قلوبهم مرض؛ صنفٌ منهم مَرِضَ من أمر النساء" [رواه ابن جرير في "جامع البيان"].

قال الإمام الفخر الرازي: "الذي في قلبه مرض: الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه" [مفاتيح الغيب].

عن قُرَّةَ رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَفَافَ وَالْعِيَّ عِيُّ اللِّسَانِ لَا عِيَّ الْقَلْبِ، وَالْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِيِ الْآخِرَةِ وَيُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمَا يَزِدْنَ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقِصْنَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الشُّحَّ، وَالْبَذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا وَيُنْقِصْنَ مِنَ الْآخِرَةِ، وَلَمَا يُنْقِصْنَ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا» [رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان"].

- ضع أهلك مكان المتحرش بها: عَنْ أَبِي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» [رواه أحمد].

- احذر دعوة الناس عليك؛ فأهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فعزله، وكان ممن شَكَوْهُ افتراءً رجلٌ يُكنى أبا سعدةَ، فقال سعدٌ رضي الله عنه: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ» [رواه البخاري].

- اترك الحرام لله يبدلك الله لذة وطمأنية في قلبك؛ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي الدَّهْمَاءِ، قَالَا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» [رواه أحمد].

الآثار النفسية والاجتماعية لظاهرة التحرش:

أنه فعل ظالم يعتدي على خصوصية الإنسان وكرامته، ويترك في النفس جراحًا عميقة لا تُرى.

يولِّد القلق والخوف الدائم، ويقود إلى الاكتئاب والانعزال وفقدان الثقة بالنفس.

تعيش الضحية صراعًا داخليًا بين الغضب والإنكار واللوم الذاتي، مما يؤثر في تركيزها وحياتها اليومية.

كما يؤدي التحرش إلى صدمات نفسية قد تُفقد الضحية إحساسها بالأمان.

اجتماعيًا، يسبب العزلة وتوتر العلاقات الأسرية وتراجع الأداء الدراسي أو المهني.

ويزرع شعورًا بانعدام الحماية وفقدان الثقة بالمجتمع.

بل وقد تُحمَّل الضحية اللوم بدل أن تجد الدعم، فيتضاعف الألم والضرر.

الخطبة الثانية.. التحذير من الألعاب الإلكترونية الضارة بالأطفال

 

لم تَعُدِ الألعابُ الإلكترونيةُ مجرّدَ وسيلةِ ترفيهٍ عابرة، تُقضى بها أوقاتُ الفراغ، بل غدت -ولا سيما في عالم الأطفال- إدمانًا خفيًّا يتسلّل إلى العقول والقلوب، فيُهدّد مسارَ التربية، ويُضعِف البنيةَ الصحية، ويُربِك السلوكَ والتعلّم، فهي تأسرُ الطفلَ خلف الشاشات، وتستنزفُ انتباهه، وتسرقُ من عمره لحظاتِ النماء الحقيقي، حتى يغدو أسيرَ عالمٍ افتراضيٍّ يبعده شيئًا فشيئًا عن واقعه، وأسرته، وقيمه.

وتكمن الخطورةُ الكبرى في غياب الوعي المجتمعي الرشيد؛ حيث يُترك الطفلُ فريسةً لهذه الوسائل بلا توجيهٍ ولا رقابة، فتتسلّل إليه أنماطٌ سلوكيةٌ غريبة، وقد تُغذّي فيه العزلةَ، أو العنفَ، أو التبلّدَ العاطفي، فضلًا عمّا تخلّفه من آثارٍ صحية كإجهاد البصر، واضطراب النوم، وضعف النشاط البدني.

ومن هنا تبرز الحاجةُ الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الاستخدام الواعي، وتحديد أوقاتٍ منضبطة للعب، واختيار المحتوى المناسب، وتعويض الطفل ببدائل نافعة تُنمّي مهاراته، وتُغذّي روحه، وتُعيد التوازن إلى يومه، فالتكنولوجيا نعمةٌ إن أُحسن توجيهها، ونقمةٌ إن تُركت بلا ضابط، والطفلُ أمانة، ومسئوليته تقتضي أن نصنع له واقعًا يوازن بين المتعة والنماء، وبين الترفيه والبناء.

الإسلام يدعو إلى الترويح عن الأطفال:

الألعاب التي يباشرها الأطفال إن كانت تساعده في تنمية الملكات أو توسعة القدرات الذهنية، أو في أي وجهٍ من وجوه النَّفع المعتد بها شرعًا وعُرفًا، أو كانت وسيلة للترويح عن النَّفس، أمر مطلوب شرعا، شريطة ألا يحتوي على محرَّم كالقمار، مع ضرورة مراقبة ولي الأمر لهم عن كثبٍ حتى لا تؤثر بالسلب على الطفل نفسيًّا أو سلوكيًّا، ويختار له من الألعاب ما يناسب عُمُره وحاله، ويفيد في تربيته، وبنائه عقليًّا وذهنيًّا وأخلاقيًّا، ويكون ذلك في أوقات محددة، كي لا ينشغل الأطفال بها عن أداء واجباتهم المنوطة بهم، أو يؤثر على صحتهم؛ لأن الإسلام دين يعطي كل ذي حق حقه من الجسد والروح؛ فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «...، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» [رواه البخاري].

قال حجة الإسلام الغزالي: "وَيُعَوَّدُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ الْمَشْيَ وَالْحَرَكَةَ وَالرِّيَاضَةَ حَتَّى لَا يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ...، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنِ الْكُتَّابِ أَنْ يَلْعَبَ لَعِبًا جَمِيلًا يَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فَإِنَّ مَنْعَ الصَّبِيِّ مِنَ اللَّعِبِ، وَإِرْهَاقَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ دَائِمًا، يُمِيتُ قَلْبَهُ، وَيُبْطِلُ ذَكَاءَهُ، وَيُنَغِّصُ عَلَيْهِ الْعَيْشَ حَتَّى يَطْلُبَ الْحِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ رَأْسًا" [إحياء علوم الدين].

إن الشَّارع الحكيم قد أباح للأطفال الألعاب التي لها دور إيجابي في بناء قدراتهم الجسدية كركوب الخيل، وتعلم الرماية وغيره مما يقوي الجسم، ويدفع الكسل والخُمول، وكذا ما يفيد في تنمية مواهبهم العقلية، ويُشبع غريزتهم، ويُروضهم على اجتياز العوائق، ووضع الحلول السريعة لحل المشكلات بما يعود على دينهم وأوطانهم بالخير والبناء والعمران؛ فعَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِلْوَلَدِ عَلَيْنَا حَقٌّ كَحَقِّنَا عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْكِتَابَةَ، وَالسِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَأَنْ يُؤَدِّبَهُ طَيِّبًا» [رواه البيهقي].

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بن الخطاب إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: "أَنْ عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمُ الْعَوْمَ، وَمُقَاتِلَتَكُمُ الرَّمْيَ" [رواه أحمد، وابن حبان].

وهذا الحجاج بن يوسف يقول لمؤدب ولده ومعلمه: "عَلِّمْ وُلْدِي السِّبَاحَةَ قَبْلَ أَنْ تُعَلِّمَهُمْ الْكِتَابَةَ، فَإِنَّهُمْ يَجِدُونَ مَنْ يَكْتُبُ عَنْهُمْ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَسْبَحُ عَنْهُمْ" [البيان والتبيين].

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الألعاب، وشجَّع عليه؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُهُ؟» قَالُوا: مَاتَ نُغَرُهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» [متفق عليه].

قال الإمام ابن القاصِّ الشافعي: "وفيه دليلٌ على الرخصة للوالدين في تخلية الصبي وما يروم من اللعب إذا لم يكن من دواعي الفجور، وقد كان بعض الصالحين يكره لوالديه أن يُخَلِّيَاهُ.

وفيه دليلٌ على أنَّ إنفاق المال في ملاعب الصبيان ليس من أكل المال بالباطل إذا لم يكن من الملاهي المنهية" [فوائد حديث أبي عمير].

ويجب على الوالدين أن يكون صنيعهم مع أطفالهم هذا في إطار الرفق واللين، وحُسن التوجيه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: «عَلِّمُوا، وَلَا تُعَنِّفُوا؛ فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ» [رواه البيهقي في "شعب الإيمان"].

الألعاب الضارة أو غير المفيدة على الأطفال:

أما إذا كانت هذه الألعاب التي يلعب بها الأطفال فيها ضرر على عقولهم أو أبدانهم، أو تحتوي على محظورات ومخالفات منهي عنها كالمقامرة، أو تُشجِّع على ارتكاب الرذيلة، أو تنشر الإباحية الجنسية، أو تُروج لأمور مُخلَّة بالقيم والأعراف الاجتماعية والوطنية، أو تهدم الهوية، وتمس المقدسات الدينية، أو تحث الأطفال على القتل والعُنف والعدوان، وتنمِّي فيهم خيانة الأوطان والجاسوسية، أو انتهاك خصوصيات الآخرين، أو تنشر مفاهيم مخالفة للإسلام ومبادئه السمحة؛ فلا خلاف على حرمتها ومنعها قولًا واحدًا، حتى ولو كان فيها نفع وعائد على الأطفال؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ولأن الضرر يزال؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه] [الأشباه والنظائر للسبكي].

واجب الوالدين في توجيه الأطفال للابتعاد عن الألعاب غير المفيدة:

الآباء والأمهات مأمورون شرعًا أن يوجهوا أطفالهم الذين يدمنون الألعاب بأن تكون فيما يفيدهم وينفعهم -كما سبق بيانه- خاصة فيما يخص تحصيلهم الدراسي أو التَّعليمي، أما إن تركوا الأطفال وما يرغبون، فإن الوالدين يحاسبان أمام الله عز وجل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: ٦].

قال علي بن أبي طالب، ومجاهد، وقتادة: "معناه: عَلِّمُوهُمْ مَا يَنْجُونَ بِهِ مِنْ النَّارِ".

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهُ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفَظَ أَمْ ضَيَّعَ؟!» [رواه ابن حبان].

إن هذا الوقت الذي يُضِّيعه الأطفال في "الألعاب غير المفيدة"، وكذا المال الذي ينفقونه على هذه المُلهيات غير النافعة؛ لهو جناية عظيمة تستحق من الوالدين الوقوف عليها، ومعالجتها سريعًا قبل أن يندمان، ولات ساعة مَنْدَم؛ فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [رواه الترمذي وحسنه].

من هنا وجب على الآباء أن يربوا أطفالهم على قوة العزيمة، والتقليل من هذه الألعاب شيئًا فشيئا، وشغل أوقاتهم فيما يفيدهم كحفظ القرآن الكريم أو مطالعة قصص متنوعة تناسب أعمارهم، وأن يضعوا لهم برنامجًا يوميًّا يسيرون عليه، وفق خُطة محكمة؛ قال أَبِو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه: "الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ" [رواه البيهقي في "شعب الإيمان"].

كما أن هناك بعض الألعاب الإلكترونية يؤدي إدمانها، والتفاعل معها إلى مخاطر جسيمة؛ لأنها قد تسبب الانتحار أو الإلحاد أو تشجع على الإباحية المُطلقة والشذوذ الجنسي؛ لذلك يجب الإلمام التام بالمواقع والمواد التي يستخدمها الأطفال؛ لحمايتهم من أضرارها، وتجنب نتائجها السيئة.

إجراءات عملية لمواجهة "الألعاب الإلكترونية غير المفيدة للأطفال":

١. تحديد أوقات استخدام الأجهزة الإلكترونية، بوضع "جدول زمني مرن" لا يتجاوز ساعة إلى ساعتين يوميًا، مع إشراف مباشر من الأهل.

٢. اختيار الألعاب بعناية قبل السماح بها، مع قراءة التقييمات والعمر المسموح به (Age Rating) ومحتواها الأخلاقي والتَّعليمي.

٣. اللعب المشترك بين الآباء والأبناء، ليشعر الطفل بالمشاركة والرقابة في آنٍ واحد، مع النقاش حول سلوكيات اللعبة وأفكارها.

٤. تقديم بدائل واقعية مشوقة، مثل الرحلات القصيرة، والأنشطة الرياضية، والألعاب الجماعية الحقيقية التي تُغني عن العالم الافتراضي.

٥. الرقابة التقنية، باستخدام برامج "التحكم الأبوي (Parental Control) لتقييد الألعاب الضارة ومراقبة الوقت والمحتوى.

مراجع للاستزادة:

  • التحرش آفة قبيحة، التحرش بجميع أنواعه، مجموعة مقالات بالمنصة الرسمية لوزارة الأوقاف.
  • التحرش الجنسي من الواقع الاجتماعي إلى الفضاء الافتراضي، د رانيا محمود الكيلاني.
  • جريمة التحرش عبر الإنترنت، د أحمد كامل نعيم.