مع الاعتماد المتزايد على الإنترنت في كل تفاصيل حياتنا، لم يعد البحث عن سرعات أعلى ترفا تقنيا، بل ضرورة ملحة وفي خطوة قد تغير مستقبل الشبكات اللاسلكية داخل المباني، كشف علماء عن تقنية ليزر مبتكرة قادرة على نقل البيانات بسرعة مذهلة تصل إلى 360 جيجابت في الثانية، مع استهلاك طاقة يقل إلى النصف مقارنة بأنظمة الواي فاي الحالية.
الدراسة التي نُشرت في مجلة Advanced Photonics Nexus عرضت تفاصيل تطوير جهاز إرسال بصري صغير الحجم، يجمع بين السرعة الفائقة وكفاءة الطاقة، ويمهد الطريق لبنية اتصالات داخلية فائقة السعة.
شريحة ليزر بحجم ملليمتر تغير قواعد اللعبة
يعتمد النظام الجديد على شريحة متناهية الصغر تضم مصفوفة من ليزرات أشباه الموصلات، إضافة إلى نظام بصري دقيق يوزع الضوء على المستخدمين بذكاء هذه المنظومة تشكل منصة قابلة للتطوير يمكن دمجها في نقاط وصول صغيرة، بل وربما داخل أجهزة مثل الهواتف الذكية مستقبلا.
قلب هذه التقنية هو مصفوفة من ليزرات تعرف باسم VCSEL، وهي ليزرات باعثة للضوء من السطح تعمل بالأشعة تحت الحمراء، وتستخدم بالفعل في مراكز البيانات وتقنيات الاستشعار بفضل سرعتها وكفاءتها العالية.
وتتكون المصفوفة من 25 ليزرا (5×5)، ويمكن تصنيع مصفوفات أكبر بسهولة باستخدام تقنيات أشباه الموصلات التقليدية.
كل ليزر ينقل بياناته بشكل مستقل
الميزة الأهم في هذه المصفوفة أن كل ليزر يمكن التحكم فيه بشكل منفصل، وإرسال تدفق بيانات خاص به وعند تشغيل عدة ليزرات في الوقت نفسه، ترتفع السعة الإجمالية للنظام بصورة هائلة مقارنة بمصدر ضوئي واحد.
ورغم هذه القدرات، تظل الشريحة أصغر من ملليمتر واحد فقط، ما يجعلها مثالية للاستخدام في الأجهزة الصغيرة ونقاط الوصول الداخلية.
اختبار عملي بسرعة غير مسبوقة
لاختبار الأداء، أنشأ الباحثون وصلة بصرية في الهواء بطول مترين وخلال التجربة، كان 21 ليزرا من أصل 25 نشطا، وحقق كل منها سرعة نقل بيانات تراوحت بين 13 و19 جيجابت في الثانية.
وبدمج هذه السرعات، بلغ المعدل الإجمالي 362.7 جيجابت في الثانية، وهو من أعلى معدلات نقل البيانات المسجلة لجهاز إرسال بصري على مستوى الشريحة.
وأشار الفريق إلى أن الأداء كان محدودا بقدرات الكاشف الضوئي التجاري المستخدم في الاختبار، ما يعني أن استخدام مستقبلات أسرع قد يرفع هذه السرعات إلى مستويات أعلى مستقبلا.
حل ذكي لمشكلة تداخل الحزم الضوئية
استخدام عدة حزم ضوئية في الوقت نفسه يخلق تحديا كبيرا يتمثل في تداخل الإشارات ولمعالجة هذه المشكلة، صمم الباحثون نظاما بصريا دقيقا يعتمد على مصفوفة عدسات دقيقة تقوم بمحاذاة الضوء وتوزيعه في مربعات ضوئية منفصلة عند جهاز الاستقبال.
وأظهرت الاختبارات تجانسا في توزيع الضوء بنسبة تفوق 90% لمسافة مترين، ما سمح بتوجيه حزم مختلفة لأجهزة متعددة داخل الغرفة نفسها دون تداخل يذكر.
وفي تجربة متعددة المستخدمين، نجح النظام في تشغيل أربعة أشعة مستقلة بمعدل بيانات إجمالي بلغ نحو 22 جيجابت في الثانية بثبات عالي.
كفاءة طاقة تتفوق على الواي فاي
مع الارتفاع العالمي في استهلاك البيانات، أصبحت كفاءة الطاقة تحديا أساسيا فالأنظمة اللاسلكية التقليدية تحتاج إلى طاقة أكبر كلما ارتفعت السرعة.
أما النظام الليزري الجديد، فيعتمد على ليزرات عالية الكفاءة لا تحتاج إلى تضخيم معقد، ما يقلل استهلاك الطاقة لكل بت بيانات إلى نحو 1.4 نانو جول فقط، أي نصف استهلاك أنظمة الواي فاي المتقدمة في ظروف مماثلة.
ليس بديلا للواي فاي بل شريكا ذكيا
يشدد الباحثون على أن هذه التقنية لا تهدف إلى استبدال الواي فاي أو الشبكات الخلوية، بل العمل جنبا إلى جنب معها داخل الأماكن المغلقة ذات الكثافة العالية للمستخدمين، لتخفيف الضغط على الشبكات اللاسلكية التقليدية.
مستقبلا، يمكن دمج هذه الأنظمة داخل وحدات الإضاءة أو نقاط الوصول، لتقديم اتصالات سريعة وآمنة وموفرة للطاقة لعدد كبير من المستخدمين في الوقت نفسه.
نحو جيل جديد من الشبكات الداخلية
من خلال الجمع بين مصفوفات الليزر المدمجة، ونقل البيانات فائق السرعة، والتحكم البصري الدقيق، تمهد هذه التقنية الطريق لظهور شبكات لاسلكية داخلية من الجيل القادم، تقدم أداء أعلى بكثير دون زيادة في استهلاك الطاقة.





