أكدت وزارة الأوقاف، أن الانتحار من كبائر الذنوب في الإسلام، وقد حرّمه القرآن الكريم والسنة النبوية تحريمًا قاطعًا، ويُعد من أكبر الكبائر في الشريعة الإسلامية. قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩].
حكم الانتحار في الإسلام
وقالت وزارة الأوقاف، في بيان، إن الانتحار، في جوهره، ليس مجرد فعلٍ لإنهاء الألم، بل هو قرارٌ بالاستقالة من منظومة الحياة بكاملها، هو إعلان انسحاب من دار الدنيا على اتساعها، وشعورٌ بالضيق من عالم الوجود وأهله، وحينما ننظر بعين الشرع والعقل، نجد أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي حالةٌ من اليأس تضرب النفس البشرية حين تضعف صلتها بخالقها وتضيق نظرتها لفلسفة الابتلاء.
وأوضحت وزارة الأوقاف، أن الحكم الشرعي في هذه المسألة قاطعٌ وحاسم، فالانتحار من كبائر الذنوب، وتحريمه ثابتٌ بنصوص قطعية من الكتاب والسنة.
وذكرت أنه جاء النهي الإلهي صريحًا، مقرونًا برحمة الله التي تقتضي حفظ النفس لا إتلافها، فيقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:. ٢٩
ويقول تعالى في سياق الوصايا الكبرى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١]. والنفس هنا تشمل نفس الإنسان ونفس غيره، فالنفس البشرية مُصانة ومُحرّمة في ذاتها بأمر خالقها.
وأكدت الوزارة أن النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة: يقول جل وعلا: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥]. والانتحار هو أرقى وأوضح صور الإلقاء بالنفس إلى التهلكة المحققة في الدنيا والآخرة.
كما جاءت السنة لتفصّل هذا الحكم وتوضح صوره وعواقبه بشكل لا يدع مجالًا للبس.
وجاء في الحديث قاعدة كلية: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به في نارِ جَهَنَّمَ» [صحيح البخاري (٦٦٥٢)]، وتفصيل ذلك في الحديث الآخر: «مَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدّى فيه خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَن تَحَسّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا» [أخرجه البخاري.
الآثار المترتبة على الانتحار
وقالت وزارة الأوقاف، إن التعدي على النفس بالقتل يخلّف وراءه دمارًا على مستويات عدة:
على المستوى الفردي: هو الخسران المبين، حيث يغلق المنتحر على نفسه باب التوبة، ويفوّت فرصة المغفرة والرحمة، ويقدم على الله عاصيًا بأعظم الذنوب بعد الشرك، ويستقبل الوعيد الإلهي الشديد.
أما على المستوى الأسري: هو سهمٌ نافذ في قلب الأسرة، يترك وراءه جرحًا من الألم والحسرة لا يندمل، وقد يلحق بهم العار والوصمة الاجتماعية في بعض الثقافات.
وكذلك على المستوى المجتمعي: هو مؤشر على خلل في شبكة الأمان المجتمعية، ودليل على انتشار ثقافة اليأس، وضعف قيم التكافل والتراحم التي هي صمام الأمان ضد الأزمات النفسية.
وأكدت الوزارة أن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالنهي فحسب، بل ببناء منظومة متكاملة من الحصانة النفسية والإيمانية والمجتمعية.
وشددت الوزارة على أنه يجب أن نفهم، أن الدنيا دار امتحان لا دار استقرار. الألم والشدة جزء من طبيعتها، والصبر عليها هو عين العبادة.
كما يجب أن نعمل على تنمية اليقين بأن الروح أمانة، فالروح ليست ملكًا شخصيًا نتصرف فيه كيفما نشاء، بل هي وديعة إلهية أودعها الله فينا لغاية، وسيسألنا عن هذه الأمانة.
وتابع: لقد حرم الإسلام حتى مجرد "تمني الموت"، ولكنه قدم البديل العملي لمن ضاقت به السبل، وهو الدعاء المفعم بالتسليم: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». هذا الدعاء هو قمة العبودية، حيث يفوّض العبد أمره كله لعلم الله وحكمته.
ونبهت وزارة الأوقاف على ضرورة تفعيل دور الأسرة والمجتمع: على المحيطين بمن يمر بأزمة نفسية واجب الاحتواء والاستماع والدعم، وربطه بأهل الاختصاص من الأطباء النفسيين والعلماء.
وقالت الوزارة إن تعزيز شبكات الدعم الاجتماعي والأسري، والسعي نحو تحقيق الاستقرار المعيشي وتوفير الحياة الكريمة للأفراد، ومعالجة مسببات العزلة، يمثل خط دفاع أساسي وحصنًا منيعًا ضد مشاعر اليأس. والربط القرآني البديع في سورة النساء بين النهي عن أكل أموال الناس بالباطل والنهي عن قتل النفس، يؤكد على أن الأمان المعيشي والاستقرار النفسي هما ركيزتان أساسيتان لحفظ النفس التي كرمها الله وصانها.

