قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كيف تحول خلاف مع ترامب إلى فرصة إنقاذ سياسي لزعيم إسبانيا؟ تفاصيل

كيف تحول خلاف مع ترامب إلى فرصة إنقاذ سياسي لزعيم إسبانيا؟|تفاصيل
كيف تحول خلاف مع ترامب إلى فرصة إنقاذ سياسي لزعيم إسبانيا؟|تفاصيل

في خضم عواصف سياسية داخلية كادت تعصف بمستقبله، وجد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في خصومته المتكررة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة غير متوقعة لإعادة ترتيب أوراقه. 

فبينما تتراكم الأزمات داخل إسبانيا، تحولت المواجهات الخارجية إلى أداة فعالة لصرف الأنظار وتعزيز موقعه السياسي، في مفارقة لافتة أعادت تشكيل صورته محليا ودوليا.

وبين ضغوط الداخل وصخب الخارج، برزت الاشتباكات المتكررة بين سانشيز وترامب كطوق نجاة سياسي، بحسب ما أشارت إليه نيويورك تايمز، التي رأت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظر إليه في إسبانيا، بشكل غير مباشر، كعامل ساهم في إنقاذ سانشيز من أزماته المعقدة.

فعلى المستوى الدولي، نجح سانشيز في تقديم نفسه كأحد أبرز الوجوه التقدمية في العالم، فقد تبنى مواقف ليبرالية واضحة في قضايا مثل الهجرة والطاقة المتجددة والحقوق المدنية، ولم يتردد في مواجهة ترامب في ملفات متعددة، من الرسوم الجمركية إلى فنزويلا، وصولا إلى التوترات المتعلقة بإيران. 

وهذا الأداء عزز صورته لدى قطاعات واسعة من اليسار العالمي، التي رأت فيه نموذجا لزعيم "تقدمي صلب".

لكن الصورة داخل إسبانيا بدت مختلفة تماما، ففي الوقت الذي كان فيه قادة ليبراليون يشيدون به خلال فعاليات دولية مثل القمم التقدمية في برشلونة، كان قطاع من الرأي العام الإسباني يرى أن صراعاته الخارجية، خاصة مع ترامب، ساعدته على الهروب من أزماته الداخلية، عبر تحويل الانتباه إلى ساحات دولية أكثر صخبا.

وبدل أن ينظر إلى ترامب كتهديد سياسي، اعتبره البعض داخل إسبانيا "طوق نجاة" لسانشيز، إذ وفرت المواجهات معه غطاءا سياسيا في ظل تصاعد الفضائح والتحديات الداخلية، وساعدته على الحفاظ على موقعه رغم الضغوط.

مرونة سياسية مثيرة للجدل

منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2018، عرف سانشيز بمرونته السياسية العالية، والتي يراها أنصاره مهارة ضرورية للبقاء في الحكم، بينما يعتبرها منتقدوه براغماتية مفرطة، ويؤكد مقربون منه أنه مستعد لفعل كل ما هو مشروع لتفادي صعود اليمين المتطرف، والحفاظ على استقرار البلاد.

غير أن هذه المرونة أثارت جدلا واسعا، خاصة بعد تراجعه عن تعهدات سابقة، مثل رفضه عقد اتفاقات عفو مع الأحزاب الانفصالية، وهو ما اضطر إليه لاحقًا لضمان أغلبية برلمانية، كما قاد البلاد لسنوات دون تمرير موازنة جديدة، رغم تصريحاته السابقة بأن ذلك يستوجب انتخابات.

ويذهب منتقدوه إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أنه تعمد في أوقات كثيرة افتعال صراعات مع قوى اليمين المتطرف، مثل حزب "فوكس"، بهدف تعبئة الناخبين اليساريين، حتى لو أدى ذلك إلى منح خصومه شرعية سياسية أكبر.

فضائح تلاحق الدائرة المقربة

أثقل ما واجه سانشيز لم يكن خصومه، بل الفضائح التي طالت شخصيات بارزة في دائرته السياسية، فقد ارتبط اسمه بما عرف إعلاميا بـ "عصابة بيجو"، في إشارة إلى مجموعة من المقربين الذين رافقوه في بدايات صعوده السياسي.

وتعود القصة إلى عام 2016، عندما انطلق سانشيز في جولة داخل البلاد بسيارته من طراز "بيجو"، معلنا رغبته في الاستماع للمواطنين. 

وتحولت تلك الرحلة لاحقا إلى رمز لصعوده السياسي، لكنها عادت لتطارده بعد سنوات، مع اتهام رفاقه في الرحلة بقضايا فساد.

ومن بين هؤلاء، خوسيه لويس أبالوس، الوزير السابق الذي يواجه اتهامات بتلقي رشى، إلى جانب مساعده كولدو غارسيا، المتهم بدور وسيط في صفقات مشبوهة، كما يخضع سانتوس سيردان، أحد أبرز قادة الحزب، لتحقيقات تتعلق بعمولات من شركات إنشاءات.

ورغم أن هذه القضايا لا تتهم سانشيز شخصيا، فإنه أقر بتحمله جزءا من المسؤولية بسبب ثقته في هؤلاء، وقدم اعتذارا علنيا، دون أن ينجح ذلك في إنهاء تداعيات الأزمة.

أزمات متلاحقة وضغوط متزايدة

وتزامنت هذه الفضائح مع سلسلة من الأزمات التي ضربت البلاد، من انقطاع كهربائي واسع، إلى أزمة سكن متفاقمة، وصولا إلى فيضانات مدمرة في فالنسيا، كما واجه سانشيز تراجعا في أغلبيته البرلمانية وتصاعدا في حدة الاستقطاب السياسي.

ورغم الأداء الاقتصادي القوي لإسبانيا مقارنة ببقية دول الاتحاد الأوروبي، فإن حالة الغضب الشعبي تزايدت، وتركزت بشكل كبير حول شخص رئيس الوزراء، حتى أن ظهوره العلني عكس في بعض الأحيان حجم الضغوط التي يواجهها.

استراتيجية المواجهة والهروب للأمام

لطالما اعتمد سانشيز على استراتيجية تقوم على خلق معارك سياسية لحشد قاعدته الانتخابية، وقد نجح هذا النهج في انتخابات 2023، عندما تمكن من البقاء في السلطة رغم التوقعات بخسارته.

لكن مع تزايد الفضائح، بدأ هذا الأسلوب يفقد فعاليته، وأصبح بعض حلفائه يخشون من أن يؤدي استمراره في هذه السياسة إلى نتائج عكسية، قد تدفع البلاد نحو اليمين المتطرف.

ترامب… الخصم الذي خدمه

وفي خضم هذه التعقيدات، جاءت المواجهات مع ترامب لتمنح سانشيز متنفسا سياسيا، فقد دخل الرجلان في سجالات حادة حول قضايا متعددة، من التجارة إلى السياسة الدولية، ما ساعد على إعادة توجيه الاهتمام بعيدا عن أزماته الداخلية.

ورغم تهديدات ترامب بفرض رسوم على إسبانيا، تعامل فريق سانشيز مع الأمر باعتباره محدود التأثير، نظرا لعضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي، بل إن هذه التهديدات تحولت، في نظره، إلى فرصة لتعزيز صورته كمدافع عن المصالح الوطنية.

ومع تكرار هذه المواجهات، بدأ سانشيز يستعيد بعض زخمه السياسي، وارتفعت شعبيته في استطلاعات الرأي، مستفيدا من صورة القائد الذي يقف في وجه الضغوط الخارجية.

حتى في الخلافات التي لم يكن طرفا مباشرا فيها، مثل التوتر بين ترامب والبابا ليو الرابع عشر، حرص سانشيز على إعلان موقفه، في محاولة للبقاء ضمن المشهد الدولي، وتعزيز حضوره السياسي.

والجدير بالذكر، أن في النهاية، تكشف تجربة سانشيز عن مفارقة سياسية لافتة، فبينما كادت الأزمات الداخلية أن تطيح به، جاءت صراعاته الخارجية، خاصة مع ترامب، لتمنحه فرصة للبقاء، بل وإعادة تقديم نفسه كزعيم قوي في مواجهة التحديات.