قال الدكتور علي جمعة ، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حُلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن -أي: الشاة السمينة التي لا تخرج للمرعى-، وهي في دار أنس بن مالك، وشِيب لبنها بماءٍ من البئر التي في دار أنس، فأُعطي رسول الله ﷺ القدح فشرب منه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر -وخاف أن يعطيه الأعرابي-: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك. فأعطاه الأعرابيَّ الذي على يمينه، ثم قال: «الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ» (صحيح البخاري).
واضاف جمعة في منشور له، أنه في هذا الحديث تدريب على احترام القيمة، والإخلاص للمنهج الأخلاقي؛ فالأعرابي لم يكن لينكر لو أعطى رسول الله ﷺ أبا بكر، فهو صاحبه المقرب، ويستحق التكريم والتقديم لما قدَّمه من تضحية وفداء للدعوة والمسلمين. وقد حاول عمر رضي الله عنه أن يشير على رسول الله بتقديم أبي بكر، ولكن سيدنا رسول الله ﷺ لم يستجب له، فأعطى الأعرابي وقدَّمه؛ لأنه كان على يمين الرسول ﷺ، والسنة أن يعطي الأيمن فالأيمن، ومن يُعطَ احترامًا ينل احترامًا.
وفي هذا الأمر منه ﷺ نوع من التنظيم الاجتماعي، ومثله الآداب التي شُرعت لتنظيم الاجتماع على الطعام والشراب؛ فكلها آداب تحقق قيم العدل والاحترام بين الناس. فالطعام يسير من يد رئيس الحلقة إلى من على يمينه، سواء كانت رغبته في ذلك أم لا، وسواء كانت رغبة الحاضرين في ذلك أم لا، وسواء كان قدر الجالس في اليمين أشرف أم لا. وهذا أدب يبعث على الشعور بالرضا، والإيمان بالعدالة والمساواة في هذا الدين.
وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه: أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا، وهو بالأبواء أو بودَّان، فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (البخاري).
وفيه أن النبي ﷺ لاحظ تغير وجه الصحابي بمجرد النظر إليه، فعلم ﷺ أنه حزن؛ لشعوره أن النبي ﷺ لم يُقدِّر هديته فيقبلها، فوضَّح له النبي ﷺ سبب ردِّ الهدية، وأن ذلك لم يكن استهانة بها أو احتقارًا لصاحبها، بل لأنه مُحرِم، والمحرم لا يحل له أن يقبل الصيد، كما نص الله تعالى في كتابه الكريم.
ومن آداب المجلس المهمة: الاهتمام بالنظافة الشخصية؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلًا شعثًا قد تفرَّق شعره، فقال: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ؟» ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخة، فقال: «أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟» (سنن أبي داود).
وفيه وجوب احترام المسلم ذاته ومظهره بين الخلق؛ فيحترم شعره فيسرحه، ويحترم ثوبه فيغسله.
وجعل الإسلام ذلك من آداب المجلس، وهو يندرج تحت قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]. وهي أمور يسيرة ليس فيها تكلُّف، ولكنها تعبر عن احترام الإنسان لنفسه، وتعكس شعوره بالعزة والكرامة، وتلك أولى خطوات احترامه للآخرين.
آداب المجلس من مهمات الدين التي تساعد على نشر روح الإخاء والألفة بين أفراد المجتمع، فيُشاد بنيانه على الوحدة والقوة والتناغم والانسجام. اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام.
