في زمن تتصارع فيه الأفكار على عقول الأجيال الجديدة، لم يعد المسرح المدرسي مجرد نشاط فني يمارس داخل أسوار المدارس، بل أصبح أحد أخطر وأهم أدوات بناء الوعي، وصناعة الإنسان القادر على التفكير، والحوار، ومواجهة التطرف والانغلاق، ولهذا يأتي التحرك الذي تقوده وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لإحياء المسرح المدرسي، باعتباره خطوة تتجاوز الترفيه إلى مشروع وطني لصناعة المستقبل.
الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط على التعليم التقليدي، وإنما على بناء عقل قادر على الفهم والتذوق والتمييز بين النور والظلام، بين الفكر والحشد، بين الإبداع والتلقين، وهنا يظهر المسرح المدرسي بوصفه مدرسة موازية لتكوين الشخصية الإنسانية، حيث يتعلم الطالب التعبير عن نفسه، واحترام الآخر، والعمل الجماعي، والانضباط، والثقة بالنفس.
المسرح لم يكن يومًا مجرد خشبة وستار وإضاءة، بل كان دائمًا مساحة لصناعة الوعي الجمعي، فمن فوق الخشبة يتعلم الطفل كيف يحكي قضيته، وكيف يسمع غيره، وكيف يناقش الأفكار بدلًا من رفضها أو الخوف منها، وعندما يقف الطالب أمام الجمهور ليمثل دورًا أو يلقي نصًا، فإنه لا يكتسب فقط مهارة فنية، بل يكتسب شجاعة المواجهة وقدرة التفكير الحر.
وتأتي أهمية المسرح المدرسي أيضًا في قدرته على اكتشاف المواهب الحقيقية في المحافظات والقرى والنجوع، بعيدًا عن المركزية الثقافية، فكثير من كبار الفنانين والمبدعين كانت بداياتهم من فوق مسارح المدارس، حيث اكتشفوا شغفهم الأول بالفن والكلمة والخيال.
كما يمثل المسرح المدرسي خط دفاع ثقافيًا في مواجهة الأفكار الظلامية والمتشددة، لأن الفن بطبيعته يفتح النوافذ المغلقة أمام العقل، ويمنح الإنسان مساحة للتأمل والتساؤل، وكلما اقترب الطفل من الفن، ابتعد عن التعصب والكراهية، لأن المسرح يعلم الإنسان أن يرى العالم بعيون متعددة، لا بعين واحدة.
وفي مجتمع يواجه تحديات فكرية وثقافية متزايدة، تبدو الحاجة ملحة لإعادة المسرح إلى المدارس باعتباره جزءًا من مشروع بناء الإنسان المصري، فالدول التي انتصرت في معارك الوعي لم تعتمد فقط على المناهج الدراسية، بل صنعت أجيالًا تمتلك الحس النقدي والخيال والقدرة على الإبداع.
ومن هنا تكتسب التحركات الأخيرة للدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة أهمية خاصة، خصوصًا مع التوجه لفتح مسارح الدولة أمام الطلاب مجانًا، والاستعداد لإطلاق المهرجان القومي المصري للمسرح المدرسي، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على الطرق والمباني، وإنما يبدأ أولًا من بناء العقل والوجدان.
إن الطفل الذي يقف على خشبة المسرح اليوم، قد يصبح غدًا شاعرًا أو مفكرًا أو معلمًا أو قائدًا يعرف قيمة الكلمة وقوة الفن. ولذلك يبقى المسرح المدرسي أكثر من نشاط فني؛ إنه مشروع وطني لحماية الوعي، وصناعة جيل مستنير قادر على الدفاع عن الوطن بالعقل والمعرفة والجمال.



