نشرت الصفحة الرسمية للإعلامي الراحل وجدي الحكيم عبر موقع فيس بوك تفاصيل حوار نادر جمعه بالفنانة الراحلة سميحة أيوب، كشفت خلاله كواليس بداياتها الفنية ورحلتها مع المسرح، مؤكدة أنها لم تكن تخطط في الأساس لأن تصبح ممثلة.
وخلال الحوار، سأل وجدي الحكيم سميحة أيوب عمّا إذا كان هناك شخص يقف وراء نجاحها الكبير في المسرح، لترد بثقة وهدوء مؤكدة أن النجاح الحقيقي ينبع من داخل الإنسان نفسه، قائلة إن أي شخص لن ينجح ما لم يكن مؤمنًا بموهبته وبالعمل الذي يقدمه، مهما كان الدعم الذي يتلقاه من الآخرين.
وعندما سألها عمّا إذا كان هناك من مهّد لها الطريق أو منحها فرصة خاصة، نفت ذلك تمامًا، قبل أن تستعيد ذكرى لا تنساها من بداياتها الأولى، مؤكدة أنها لم تكن تفكر أصلًا في أن تصبح ممثلة.
وقالت إنها ذهبت في طفولتها برفقة إحدى زميلاتها إلى معهد التمثيل فقط للمشاهدة، وهناك فوجئت بالمتقدمين يؤدون مشاهد تمثيلية أمام اللجنة، بينما كانت تقف مذهولة من جرأتهم وعدم خوفهم من الوقوف أمام الناس.
وأضافت أنها فوجئت بأحد الموجودين يطلب منها التقدم للاختبار، لتكتشف لاحقًا أنه المخرج الكبير زكي طليمات، الذي سألها إن كانت تحب التمثيل أو سبق لها المشاركة في المدرسة.
وروت أنها حاولت إلقاء مقطع شعري صغير كانت تحفظه، لكن الخوف منع صوتها من الخروج، فبدأت تتحدث تلقائيًا عن حبها لتقليد ما تشاهده في المسرحيات أمام زميلاتها في المدرسة.
وأشارت إلى أن زكي طليمات لم يكن متحمسًا لقبولها في البداية بسبب صغر سنها وهيئتها النحيلة، لكنها لاحظت شخصًا آخر يجلس بجواره يحاول إقناعه بضمها إلى المعهد، قبل أن يتفقا في النهاية على قبولها كطالبة مستمعة غير نظامية.
وأكدت أن هذا الشخص كان الدكتور محمد صلاح الدين، مشددة على أنها لا يمكن أن تنسى فضله، لأنه كان أول من اكتشف الموهبة الموجودة بداخلها وأصر على منحها الفرصة.
وفي جزء آخر من الحوار، تحدثت سميحة أيوب عن رحلتها الفنية، موضحة أنها لم تعتمد على “قفزات مفاجئة” أو نجاحات سريعة، بل سارت بخطوات متدرجة، ووصفت حياتها بأنها “سُلَّم وراء سُلَّم”.
وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يتطور تدريجيًا، لأن القفز السريع قد يؤدي إلى السقوط، مؤكدة أنها كانت تمتلك من الوعي ما يجعلها ترفض تقديم شخصيات لا تناسبها، حتى لو اضطرت للابتعاد عن العمل لفترات طويلة.
في الثالث من يونيو 2025، غيّب الموت قامة فنية شامخة، ورمزًا من رموز الإبداع المسرحي في العالم العربي، وهي الفنانة القديرة سميحة أيوب، عن عمر ناهز 93 عامًا، بعد مسيرة فنية ثرية امتدت لعقود طويلة، قدّمت خلالها ما يزيد عن 170 عملًا مسرحيًا، إلى جانب عشرات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، تاركة وراءها إرثًا فنيًا نادرًا ومؤثرًا في وجدان أجيال من عشاق المسرح والدراما.
بصمة خالدة في المسرح المصري والعربي
تميزت سميحة أيوب بحضور مسرحي طاغٍ، وموهبة أصيلة مزجت بين العمق الفني والثقافة الواسعة.
لم تكن مجرد ممثلة تؤدي أدوارها، بل كانت تتقمص الشخصيات بصدقٍ واحترافٍ، فاستحقت عن جدارة لقب "سيدة المسرح العربي"، تألقت في أعمال مأخوذة عن كبار الأدباء والمفكرين، محليين كانوا أو عالميين، وجسّدت شخصيات نسائية صعبة ببراعة نادرة.
رحلة مسرحية مع عمالقة الأدب
قدّمت الفنانة الراحلة عددًا من الأعمال المأخوذة عن نصوص أدبية ومسرحية لكبار الكتّاب، تركت فيها بصمة لا تُنسى، نذكر منها:
الأيدي الناعمة (1954)
مسرحية من تأليف توفيق الحكيم، تناولت آثار الثورة وتأميم الممتلكات، مركّزة على أهمية العمل والعلم بوصفهما أساسَي النهوض بالمجتمعات، وقد تختلف المسرحية عن الفيلم المأخوذ عنها في المضمون، لكنها تحتفظ بالرسالة الجوهرية نفسها.
تلميذ الشيطان (1960)
مسرحية مقتبسة عن رواية "تابع الشيطان" للأديب الإنجليزي جورج برنارد شو، وقدمت نقدًا لاذعًا للمجتمع بأسلوب ساخر وذكي، حيث مزجت بين الواقع والتسلية في عمل فني راقٍ.
العباسة (1963)
مأخوذة عن مسرحية كتبها عزيز أباظة عام 1947، تروي قصة العباسة أخت هارون الرشيد، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بنكبة البرامكة، وتُعد من الأعمال الدرامية الرفيعة التي تجسّد صراعات السياسة والعاطفة في العصر العباسي.
كوبري الناموس (1964)
من تأليف سعد الدين وهبة، تعكس المسرحية الواقع الريفي والسياسي في مصر من خلال رمزية اجتماعية ثرية، وتُعد من أبرز الأعمال التي جمعت بين النقد الاجتماعي والبعد السياسي.
سكة السلامة (1964)
عمل كوميدي فلسفي من تأليف سعد الدين وهبة، جسّدت فيه سميحة أيوب نموذجًا إنسانيًا وسط مجموعة من الركاب التائهين في الصحراء، في رحلة رمزية تحمل دعوة للتوبة والمراجعة الذاتية.
مصرع كليوباترا (1968)
مسرحية شعرية من تأليف أحمد شوقي، تناولت صورة كليوباترا الملكة الوطنية، في مواجهة التشويه الذي ألصقه بها المؤرخون الغربيون، وقدمت سميحة أيوب شخصية كليوباترا بقوة وكرامة.
العمر لحظة (1974)
مسرحية مستوحاة من رواية يوسف السباعي، تدور أحداثها خلال حرب الاستنزاف، وتُعد تحية للأبطال من الجنود المصريين الذين سطروا بطولات خالدة في التاريخ الحديث.
أنطونيو وكليوباترا (1976)
عن النص العالمي لشكسبير، جسّدت فيه دور كليوباترا، الملكة التي جمعت بين الحب والدهاء السياسي، في عمل مأساوي يعكس التناقضات الإنسانية في أبهى صورها.
الخديوي (1993)
مسرحية شعرية كتبها فاروق جويدة، تناولت قضايا سياسية واجتماعية حساسة بأسلوب شعري راقٍ، وقدّمت فيه سميحة أيوب أداءً شعريًا مميزًا جمع بين الإحساس والإلقاء.
أثرها في الثقافة العربية
لم يكن تأثير سميحة أيوب مقتصرًا على خشبة المسرح، بل امتد إلى الحراك الثقافي المصري والعربي، فقد مثّلت صوتًا نسائيًا قويًا في زمن كان الحضور النسائي فيه محدودًا، وأسهمت في ترسيخ مكانة المسرح كمنبر للتنوير والتعبير عن قضايا المجتمع.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
برحيلها، فقد المسرح العربي أحد أعمدته الراسخة، لكن أعمالها ستظل تُعرض وتُذكر، وستبقى مثالًا يُحتذى به في الالتزام الفني والعمق الثقافي، كانت سميحة أيوب أكثر من فنانة، كانت معهدًا قائمًا بذاته، يحمل رسائل الفن النبيل، ويمثل روح المسرح الحقيقية.