سلطت وزارة الأوقاف عبر منصتها الإلكترونية الضوء على تفاصيل حال النبي صلى الله عليه وسلم وهديه العملي خلال الأيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة المبارك، والتي توصف بأنها تاج الأزمنة وميدان التنافس في الطاعات والعبادات.
وأكد التقرير أن الله سبحانه وتعالى قد تفرد بالخلق والاختيار، ومن مقتضى رحمته البالغة بالعباد أن فاضل بين الأوقات والأزمنة واختار منها أوقاتاً خصها بمزيد من الفضل وزيادة الأجر ليكون ذلك أدعى لشحذ الهمم وتجديد العزائم والمسابقة في الخيرات والتعرض للنفحات المباركة.
ومن أعظم هذه الأزمنة الفاضلة التي تجتمع فيها القلوب على الطاعة أيام عشر ذي الحجة التي اختصت بعدد من الفضائل والجليلة، حيث أقسم الله بها في كتابه تنويهاً بشرفها وعظم شأنها في قوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر، وجاء ذكرها مشرقاً بين آيات الذكر والحج والمناجاة إشعاراً بعلو منزلتها ورفعة قدرها عند الله تعالى في قوله واذكروا الله في أيام معدودات وقوله الحج أشهر معلومات.
معنى قوله تعالى: «أيام معدودات»
وقد بين العلماء أن الليالي العشر المقصودة هنا هي عشر ذي الحجة استناداً لقوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة، حيث قال مجاهد وابن جريج ومسروق إن هذه العشر هي عشر ذي الحجة، وأكد ابن كثير أن الليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف وهو الصحيح.
وجاء في الحديث الشريف عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر، فشهر ذي الحجة من أفضل الشهور وأحبها إلى المولى عز وجل وعشره الأوائل هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق تفتح فيها أبواب التجارة الرابحة مع الله التي لا تقبل الخسران أبدأ.
حال النبي صلى الله عليه وسلم في عشر ذي الحجة
أوضح تقرير وزارة الأوقاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له الحال الأكمل والقدوة العظمى في تعظيم هذه الأيام المباركة، فهو الذي شهد بأنها أعظم أيام الدنيا وأن العمل الصالح فيها أفضل وأحب إلى الله منه في غيرها، كما ثبت في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد.
ومن ملامح حاله صلى الله عليه وسلم العملية أنه كان يترجم هذا الفضل العظيم إلى واقع ملموس بالصيام والعبادة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصوم التسع من ذي الحجة، ففي الحديث عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس. وجاء عن حفصة رضي الله عنها قالت، أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر وركعتين قبل الغداة، والمقصود هنا صيام التسع لأنه قد نهي عن صيام يوم العيد. ومن هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم الأيام الخاصة في هذه العشر كبرنامج الصيام والصلاة والذكر، ولا سيما يوم عرفة وهو اليوم التاسع الذي قال فيه كما في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء، وهو يوم مغفرة الذنوب الذي احتسب صيام القيام فيه على الله أن يكفر سنتين ماضية ومقبلة كما ثبت عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية، ويستثنى من ذلك الحاج فلا يصومه.
ومن ملامح حاله صلى الله عليه وسلم أيضاً تعظيم يوم النحر وهو اليوم العاشر الذي هو أعظم الأيام عند الله لقوله صلى الله عليه وسلم إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر، ويوم القر هو اليوم الحادي عشر الذي يلي يوم النحر لأن الناس يستقرون فيه بمنى بعد الفراغ من طواف الإفاضة والنحر. كما حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على الأضحية في هذه الأيام وهي سنة مؤكدة في حق الموسر بل قال بعض العلماء بوجوبها، وشرع لأمته كراهة حلق الشعر وتقليم الأظافر لمن أراد أن يضحي إعظاماً لهذه الشعيرة فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي.
أبواب الخير من هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأوائل من ذي الحجة
أشار التقرير المنشور عبر المنصة إلى أن الميزة الكبرى والسبب الأساسي في حظوة عشر ذي الحجة بهذه المكانة والمنزلة العالية يرجع إلى اجتماع أمهات العبادة والبر فيها وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى اجتماع كل هذه العبادات الجليلة في غيرها من أيام السنة، حيث قال الحافظ ابن حجر إن الذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره. وإن مفهوم العمل الصالح في هذه الأيام واسع وشامل ينتظم العبادات القولية والبدنية والمالية، ومن أعظم أبواب الخير المتعدية النفع الصدقة فالصدقة مشتقة من الصدق وهي برهان على إيمان صاحبها لقوله عليه الصلاة والسلام والصدقة برهان، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء.
ويتأكد في هذه العشر قضاء حوائج الناس وإطعام الجائعين وكسوة العرايا وسقيا العطاشى وجبر خواطر الثكالى والمسح على رءوس اليتامى فعن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار.
إن أبواب الخير في هذه العشر المباركة كثيرة لا تنحصر ومفهوم العمل الصالح شامل ينتظم كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كعيادة المرضى والإحسان إلى الجيران وإفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وتعليم الناس ومساعدتهم وإماطة الأذى عن طريقهم والتبسم في وجوههم وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والتيسير على المعسر، كما تشمل الأعمال القلبية الباطنة كصفاء القلوب وسماح النفوس ورد الحقوق إلى أصحابها والمسامحة وكظم الغيظ والعفو عن الناس لقوله تعالى والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين بالإضافة إلى التفكر في مخلوقات الله.
فينبغي لمن وفقه الله أن يعرف لهذه الأيام الفاضلة قدرها ويجتهد فيها ويتقلل ما أمكن من أشغال الدنيا وصوارفها فإنما هي ساعات ولحظات معدودات ما أسرع انقضاءها وتصرمها، والسعيد الفطن هو من يستغلها ولا يدع هذا الموسم الرابح يضيع من بين يديه ويسارع لرضوان ربه امتثالاً لقوله سبحانه وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. وبناء على ذلك فقد أجابت الوزارة بشكل قطعي في نهاية تقريرها عن الأسئلة الشائعة مؤكدة أن تفضيل العشر يعود لاجتماع العبادات فيها، وأن النبي صامها واستحب العلماء صيامها ولا سيما عرفة لغير الحاج، وأن العمل فيها يفوق الجهاد إلا من استشهد وفقد ماله، داعية الجميع للاقتداء بالهدي النبوي في الطاعة والذكر المقرون بصفاء النفوس.







