منذ اللحظة الأولى لإعلان الوفاة، تبدأ أسرة المتوفى رحلة مختلفة لا تقتصر على الحزن والفقد، بل تمتد إلى سلسلة طويلة من الإجراءات والتكاليف التي تفرض نفسها في وقت تكون فيه العائلات في أضعف حالاتها النفسية والإنسانية.
فبين تلاجات حفظ الموتى، ومغاسل التكفين، وخدمات نقل الجثامين، ورسوم الدفن، يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام مطالبات مالية متلاحقة، بعضها معلوم ومعلن، وبعضها الآخر يثير تساؤلات حول قانونيته وآليات الرقابة عليه.
وفي هذا التحقيق، نرصد خريطة «تكلفة الموت» في مصر، ونتتبع مسار رحلة الجثمان من المستشفى إلى المقبرة، للكشف عن حجم الرسوم المتداولة، ومدى قانونيتها، وآليات الرقابة عليها، والإجابة عن سؤال يطرحه آلاف المواطنين: هل تحولت بعض الخدمات المرتبطة بالوفاة إلى عبء اقتصادي يضاف إلى ألم الفقد؟
تثير قصة الكاتبة الصحفية الراحلة لميس الطحاوي، التي توفيت قبل أسبوعين بعد يوم واحد فقط قضته داخل مستشفى القاهرة الجديدة الحكومي بالتجمع، تساؤلات واسعة حول ما يصفه البعض بـ”بيزنس الموت”، في ظل شكاوى متزايدة من أعباء مالية تتحملها الأسر بعد وفاة ذويها.
ونقلت الكاتبة الصحفية آمال عويضة، عن شقيق الراحلة، تفاصيل صادمة واجهتها الأسرة عقب الوفاة، حيث فوجئ ذووها بعد تسلم الجثمان بنقله إلى ثلاجة حفظ الموتى التابعة للمستشفى، والتي تبين – بحسب روايتهم – أنها تدار من خلال شركة خاصة، مع فرض رسوم على مختلف الخدمات المرتبطة بحفظ الجثمان وتجهيزه للدفن.
وأوضح شقيق الراحلة أن تكلفة مبيت الجثمان داخل الثلاجة اقتربت من 6 آلاف جنيه، مؤكدًا أن الأسرة وجدت نفسها أمام أمر واقع دون طرح بدائل أو الحصول على معلومات مسبقة بشأن الخيارات المتاحة، ما دفعها لتحمل النفقات المطلوبة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها.
وأضاف أن المعاناة لم تتوقف عند الرسوم المالية، بل امتدت – بحسب روايته – إلى طريقة التعامل داخل غرفة تغسيل المتوفاة، حيث اشتكت بعض سيدات الأسرة من أسلوب تعامل المغسلة المكلفة بالإشراف على إجراءات الغسل، مشيرين إلى حدوث مشادات كلامية بعدما طُلب منهن القيام بتنظيف غرفة الغسل عقب الانتهاء من الإجراءات.
ووفقًا للرواية ذاتها، شهدت عملية تجهيز الجثمان مطالبات متكررة بشراء بعض مستلزمات الغسل من صيدلية مجاورة، رغم تسليم القائمين على التجهيز حقيبة تحتوي على جميع المستلزمات اللازمة، ما أثار استياء أفراد الأسرة الذين اعتبروا أن ما جرى يمثل أعباء إضافية في لحظات إنسانية بالغة الصعوبة.
وأشار شقيق الراحلة إلى أن التأخير في بدء إجراءات الغسل ساهم في تأخر مراسم الجنازة وصلاة الظهر، موضحًا أن الوفاة كانت قد حدثت في اليوم السابق، بينما لم تبدأ التجهيزات إلا بعد وصول المغسلة في وقت متأخر، وفق قوله.
وفي محطة أخرى من رحلة الوداع، قال إن الأسرة فوجئت بطلب مبلغ 5 آلاف جنيه من حارس المقابر مقابل فتح المدفن المملوك للعائلة بمنطقة البساتين، معتبرًا أن ما تعرضوا له يطرح تساؤلات حول حجم الأعباء التي تواجه الأسر المصرية عند وفاة أحد أفرادها.
واختتم شقيق الراحلة حديثه بتساؤل يعكس حجم الأزمة من وجهة نظره: “إذا كانت هذه التكاليف ترهق أسرة قادرة على تدبيرها، فماذا يفعل من لا يملك المال أو لم يستعد لمثل هذه النفقات المفاجئة؟”.
فيما ذكرت شهادات متطابقة لعدد من الأسر عن وجود شكاوى متكررة تتعلق بارتفاع تكلفة بعض الخدمات المرتبطة بالوفاة، خاصة في المستشفيات وبعض المقابر، إلى جانب تفاوت كبير في الرسوم المطلوبة من مكان إلى آخر، وغياب معايير واضحة تحدد قيمة ما يتم تحصيله من المواطنين.
وذكر عدد من الأهالي إن رحلة استخراج الجثمان ودفنه قد تتحول أحيانًا إلى عبء مالي مفاجئ، يبدأ من رسوم حفظ الجثمان داخل ثلاجات الموتى، ويمر بتكاليف الغسل والتكفين والنقل، وصولًا إلى ما يصفونه بمطالبات إضافية داخل بعض المقابر مقابل خدمات مختلفة، وهو ما يضع الأسر أمام خيارات محدودة في ظل ضيق الوقت وحساسية الموقف.
وتتجاوز الشكاوى الجانب المالي في بعض الحالات، لتشمل اتهامات بسوء المعاملة أو ضعف مستوى الخدمة داخل بعض الجهات المقدمة لهذه الخدمات، ما يدفع العديد من الأسر إلى التساؤل حول حجم الرقابة الفعلية على هذا القطاع، والجهات المسؤولة عن متابعة التزام مقدمي الخدمات بالضوابط القانونية والإنسانية.

وفي هذا الصدد، يقول المحامي بالنقض، أحمد ورد، إنه إذا كانت ثلاجة الموتى داخل مستشفى حكومي، فإن أي رسوم يتم تحصيلها يجب أن تكون بموجب قرار إداري رسمي معلن ومعتمد من الجهة المختصة، وفرض مبالغ دون إعلان مسبق أو دون سند قانوني قد يُعد مخالفة إدارية تستوجب التحقيق.

وأضاف ورد- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "أما بالنسبة لفتح المدافن، فإذا كان المدفن مملوكا للأسرة، فإن دور التربي يقتصر على أجر الخدمة المتعارف عليه، وأي مبالغ مبالغ فيها أو مفروضة بالإكراه قد تندرج تحت شبهة الاستغلال، خاصة إذا استُغلت حالة الاضطرار".
وتابع: "من حق الأسر طلب إيصال رسمي بأي مبالغ مدفوعة، والتقدم بشكوى إلى إدارة المستشفى أو مديرية الصحة المختصة، تقديم بلاغ إلى الحي أو المحافظة بشأن أي تجاوزات في المقابر، واللجوء للنيابة الإدارية أو الجهات الرقابية حال الاشتباه في مخالفات مالية داخل جهة حكومية".
والجدير بالذكر، أن مراجعة جادة لكل ما يتعلق بإجراءات ما بعد الوفاة داخل المؤسسات العامة، من حيث شفافية الرسوم، وضبط الأداء، وضمان المعاملة الإنسانية اللائقة، فكرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون محل مساومة، لا في حياته ولا بعد رحيله، ولا يجوز أن تتحول لحظات الوداع الأخيرة إلى ساحة للارتباك المالي أو الاستغلال.




