أعادت وثائق أمريكية رفعت عنها السرية تسليط الضوء على برامج بحثية عسكرية أجرتها الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، تضمنت دراسة إمكانية استخدام الحشرات، بما فيها البعوض، كوسيلة لنقل الأمراض في إطار برامج الأسلحة البيولوجية التي كانت قيد التطوير آنذاك.
وتشير الوثائق الصادرة عن الجيش الأمريكي إلى أن باحثين عسكريين أجروا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي سلسلة من الدراسات والتجارب المرتبطة بقدرة بعض أنواع البعوض على نقل مسببات الأمراض بين البشر. وجاءت هذه الأبحاث ضمن برنامج أوسع استهدف تقييم إمكانات الحرب البيولوجية وتأثيرها المحتمل في النزاعات العسكرية.
ومن بين الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا، تقارير تتناول مشروعًا عرف باسم "عملية بيغ باز" (Operation Big Buzz)، والذي جرى عام 1955، وتضمن إطلاق أعداد كبيرة من البعوض في ظروف تجريبية لدراسة أنماط انتشاره وسلوكه بعد الإطلاق. كما تناولت مشاريع أخرى إمكانية استخدام الحشرات كناقلات لعوامل مرضية مختلفة، في إطار أبحاث كانت تهدف إلى تقييم الجدوى العسكرية لهذه الوسائل.
وتُظهر الوثائق أن الجيش الأمريكي درس أمراضًا عدة تنقلها الحشرات، من بينها الحمى الصفراء وحمى الضنك وأمراض فيروسية أخرى. غير أن الوثائق المتاحة للعلن لا تقدم دليلاً على تنفيذ عمليات عسكرية فعلية استخدمت بعوضًا مصابًا بالحمى الصفراء ضد أهداف بشرية خلال النزاعات المسلحة، بل تركز بصورة رئيسية على الأبحاث والتجارب التي أُجريت داخل برامج التطوير والدراسة.
ويشير مؤرخون متخصصون في تاريخ الأسلحة البيولوجية إلى أن الولايات المتحدة، مثل قوى دولية أخرى خلال الحرب الباردة، استثمرت موارد كبيرة في دراسة إمكانات الحرب الجرثومية والبيولوجية، قبل أن تتجه لاحقًا إلى إنهاء برامجها الهجومية في هذا المجال. وفي عام 1969 أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون وقف برنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية الأمريكي، لتبدأ بعدها عملية تفكيك العديد من الأنشطة المرتبطة به.
كما انضمت الولايات المتحدة لاحقًا إلى اتفاقية الأسلحة البيولوجية التي تحظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ عام 1975.
وأثارت الوثائق التي رُفعت عنها السرية اهتمامًا واسعًا بين الباحثين والمؤرخين، إذ تقدم صورة أوضح عن طبيعة المنافسة العسكرية والعلمية خلال الحرب الباردة، وتكشف حجم الجهود التي بُذلت لاستكشاف وسائل غير تقليدية للحرب.
ومع ذلك، يؤكد خبراء أن دراسة إمكانية استخدام الحشرات كناقلات للأمراض لا تعني بالضرورة تنفيذ تلك الخطط على أرض الواقع، وهو تمييز أساسي عند قراءة الوثائق التاريخية المتعلقة بالبرامج العسكرية السرية.

