أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن للمعاصي درجات في الإثم تختلف باختلاف الزمان والمكان، موضحًا أن ارتكاب الذنب خلال الأشهر الحرم يُعد أشد وزرًا مقارنة بغيرها من شهور العام، لما تحمله هذه الأشهر من قدسية خاصة.
وأوضح أن المعصية في أصلها محرمة، لكن خطورتها تتعاظم إذا ارتبطت بظروف معينة، كأن تقع في زمان له حرمة أو في مكان مقدس، أو إذا تعلقت بحقوق الآخرين، مشيرًا إلى أن الذنب إذا كان في حق جار أو قريب يصبح أعظم، لأنه يجمع بين المعصية وقطع صلة الرحم، وكذلك الحال إذا وقع داخل الحرم المكي، حيث تتضاعف حرمته لمكانته.
وشدّد على أن الظلم في الأشهر الحرم من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان، سواء كان ظلمًا للنفس بالمعاصي، أو اعتداءً على حقوق الآخرين، مستشهدًا بما ورد عن التابعي قتادة في تفسير قوله تعالى: «فلا تظلموا فيهن أنفسكم»، حيث بيّن أن الذنب في هذه الأشهر أعظم إثمًا من غيرها، رغم أن الظلم في كل وقت أمر جسيم.
وأضاف أن الله سبحانه وتعالى اصطفى من خلقه أشياء وميزها بخصوصية، فاختار من البشر رسلًا، ومن الملائكة رسلًا، ومن الأماكن المساجد، ومن الأزمنة شهر رمضان والأشهر الحرم، ومن الأيام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، لافتًا إلى أن تعظيم هذه المختارات يكون بالالتزام بما أمر الله به فيها والابتعاد عما نهى عنه.
فضل الأشهر الحرم
وأشار إلى أن الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، لها مكانة عظيمة في الإسلام، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، كما بيّنت السنة النبوية فضلها، ومن ذلك ما جاء في خطبة حجة الوداع من تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على حرمتها.
وبيّن أن النهي الوارد في قوله تعالى «فلا تظلموا فيهن أنفسكم» يشمل عدم ارتكاب المعاصي، وعدم تحليل ما حرّمه الله أو تحريم ما أحلّه، مؤكدًا أن العمل الصالح في هذه الأشهر يكون أعظم أجرًا، كما أن الذنب يكون أشد أثرًا.
وتطرق إلى ما ذكره بعض العلماء بشأن القتال في الأشهر الحرم، موضحًا أن هناك من قال بنسخ تحريمه استنادًا إلى وقائع من السيرة، بينما يرى آخرون أن الأصل هو تعظيم هذه الأشهر واجتناب الظلم فيها بكافة صوره.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن تعظيم ما عظّمه الله هو من دلائل الفهم الصحيح للدين، داعيًا إلى اغتنام هذه الأزمنة المباركة في الطاعات، والابتعاد عن الذنوب التي قد تتضاعف آثارها في هذه الأشهر.

