في وقت يستعد فيه الكونجرس الأمريكي لبدء مراجعة الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران،؛ تتجه الأنظار إلى طبيعة التنازلات التي قدمها الطرفان، وحجم المكاسب الاقتصادية التي قد تجنيها طهران بموجب الاتفاق، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل العقوبات الأمريكية وآليات الرقابة على البرنامج النووي الإيراني.
وفي هذا السياق، أوضحت المحللة السياسية الأمريكية “إيرينا تسوكرمان”، في تصريحات خاصة لـ"صدى البلد"، أن مراجعة الكونجرس للاتفاق لن تقتصر على الجوانب النووية فحسب؛ بل ستركز بصورة أساسية على حجم الفوائد الاقتصادية المحتملة لإيران، والتي تشير بعض التقديرات إلى أنها قد تصل إلى نحو 300 مليار دولار من خلال تخفيف العقوبات، وتوسيع صادرات الطاقة، وإتاحة فرص استثمارية جديدة.
دمج إيران في أسواق الطاقة العالمية
وأوضحت تسوكرمان أن أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الكونجرس سيكون استعداد الإدارة الأمريكية، وفق التقارير المتداولة، لتسهيل إعادة دمج إيران في أسواق الطاقة العالمية، وتوسيع صادرات النفط، وتخفيف القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن إتاحة الوصول إلى قنوات مالية كانت مقيدة سابقاً.
وأضافت أن لجان الكونجرس ستطالب على الأرجح بتفسير مفصل للأسس التي استندت إليها الإدارة الأمريكية في تقدير هذه المكاسب الاقتصادية، إلى جانب بحث الضمانات الكفيلة بمنع توجيه الأموال إلى أنشطة تتعارض مع المصالح الأمريكية.
وأكدت أن حجم الانفتاح الاقتصادي المقترح سيصبح محوراً رئيسياً خلال عملية المراجعة، حيث سيطالب المشرعون بإيضاحات بشأن العلاقة بين تخفيف العقوبات والالتزامات الإيرانية، والجدول الزمني للتنفيذ، والصلاحيات القانونية التي ستُستخدم لتطبيق الاتفاق، فضلاً عن مدى السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة الأمريكية.
وأشارت تسوكرمان إلى أن قضايا صادرات الطاقة، والوصول إلى النظام المصرفي العالمي، وعمليات الشحن والتأمين، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتمويل مشروعات البنية التحتية، والأصول الإيرانية المجمدة، ستكون في صدارة جلسات الاستماع داخل الكونجرس، خاصة في ظل التساؤلات بشأن كيفية تحول اتفاق جاء عقب مواجهة عسكرية إلى إطار قد يفتح الباب أمام مكاسب اقتصادية ضخمة لإيران.
ولفتت إلى أن الإدارة الأمريكية ستواجه تدقيقاً مكثفاً بسبب اعتمادها على مفاوضات مستقبلية بشأن عدد من الملفات، بالتوازي مع فتح مسارات واسعة للتطبيع الاقتصادي مع طهران، موضحة أن أعضاء الكونجرس سيتساءلون عما إذا كانت الحوافز الاقتصادية قد مُنحت بصورة مبكرة مقارنة بالالتزامات الإيرانية التي لا تزال قيد التفاوض.
الملف النووي الإيراني
وشددت على أن الملف النووي سيظل في صلب مراجعة الكونجرس، إذ من المتوقع أن يطالب المشرعون بمعلومات تفصيلية بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم، وإدارة المخزونات النووية، وآليات التحقق والتفتيش، وأنظمة المراقبة، ومعايير الامتثال، مشيرة إلى أن استمرار وجود قضايا فنية غير محسومة قد يزيد من حدة الجدل السياسي حول الاتفاق.
وأضافت أن الكونجرس سيعيد أيضاً تقييم الأسس التي قامت عليها سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، والتي اعتمدت لسنوات على سياسة "الضغط الأقصى" والعزلة الاقتصادية والدبلوماسية القسرية بهدف انتزاع تنازلات من طهران، قبل أن تتجه الإدارة نحو اتفاق يتضمن، بحسب التقارير، تخفيفاً واسعاً للعقوبات وإعادة دمج إيران اقتصادياً.
كما توقعت أن تحظى قضايا الأمن البحري والاستقرار الإقليمي وإدارة الأزمات المستقبلية باهتمام واسع خلال جلسات المراجعة، حيث ستبحث لجان الكونجرس مدى قدرة الاتفاق على ضمان أمن الملاحة التجارية وحرية الملاحة ومسارات نقل الطاقة، فضلاً عن تقييم مدى كفاية الترتيبات الأمنية لمنع أي اضطرابات مستقبلية قد تؤثر على الأسواق العالمية.
إعادة رسم المشهد الاقتصادي الإيراني
واختتمت تسوكرمان تصريحاتها بالتأكيد على أن مراجعة الكونجرس لن تقتصر على دراسة اتفاق لوقف إطلاق النار أو مذكرة تفاهم دبلوماسية، بل ستتحول إلى مراجعة شاملة لاتفاق قد يعيد رسم المشهد الاقتصادي الإيراني، في وقت لا تزال فيه العديد من القضايا الجوهرية رهناً بمفاوضات مستقبلية، وهو ما سيبقي الاتفاق تحت تدقيق سياسي مكثف خلال الأشهر المقبلة.



