قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن شهرُ الله المحرَّم هو ثالثُ الأشهر الحُرُم المتوالية؛ وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، أما الشهر الحرام الرابع فهو رجب، ولذلك سمَّوه «رجب الفرد»؛ لانفراده عنها.
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن سيدنا رسول الله ﷺ يعظِّم شهر المحرَّم، ويرغِّب في الإكثار من الصيام فيه، حتى قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ».
واشار إلى أنه لما قدم سيدنا رسول الله ﷺ المدينةَ من غزوةٍ من غزواته، قافلًا إليها، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا يومٌ نجَّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله. فقال سيدنا رسول الله ﷺ: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه.
صيام عاشوراء
وكان صيام عاشوراء واجبًا في أول الأمر، فلما فرض الله سبحانه وتعالى صيام شهر رمضان، نُسخ وجوبُ صيام عاشوراء، وبقي صيامه سنةً مستحبةً إلى يوم الدين.
وقد قال سيدنا رسول الله ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى ﷺ قبل أن يدرك العام المقبل؛ فصار من السنة المرغَّب فيها أن نصوم التاسع والعاشر من شهر الله المحرَّم.
وقد رُوي عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ».
وقد اختلف المحدِّثون في هذا الحديث؛ فضعَّفه بعضهم، وقوَّاه آخرون بمجموع طرقه، ومنهم الحافظ زين الدين العراقي، والحافظ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه: «هدية الصغراء بتصحيح حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء»، وعمل به كثير من الفقهاء.
وقال سفيان بن عيينة: «إنَّا قد جرَّبناه، فوجدناه كذلك»؛ أي: إنهم وسَّعوا على أهلهم يوم عاشوراء، فوجدوا سعةً وبركةً في سائر العام.
ولقد جرَّبنا ذلك أكثر من خمسين عامًا، فوجدناه صحيحًا، والحمد لله لم ننقطع عنه أبدًا؛ نوسِّع على العيال في أرزاقهم في هذا اليوم، فيوسِّع الله علينا في أرزاقنا سائر السنة. فهذه من نفحات الله: «إِنَّ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ لَنَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللهِ». صوموه، واذكروا الله فيه.
ويأتي بعض المتشددين فيعترض على كل مظهر من مظاهر الفرح أو التوسعة، ويصف كل شيء بالحرمة والبدعة، مع أن هذه ثقافة غريبة عن سعة الدين ورحمته، تقوم على التسرع في التحريم والتبديع.
ورسول الله ﷺ جاء بالقرآن، وأول ما علَّمنا القرآنُ الرحمةَ؛ فافتتح بقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
ووصف الله نبيه ﷺ فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ويريد بعض الناس أن يحوِّلوا سنة سيدنا رسول الله ﷺ إلى صورة عجيبة غريبة، مليئة بالقسوة والعنف والصدام والخصام وكراهية الحياة، بدعوى الزهد فيها.
والزاهد في الدنيا لا يزهد إلا في شيء قد امتلكه، ثم استغنى قلبه عنه، أما من لا يملك شيئًا ثم يدَّعي الزهد، فقد يكون زهدُه زهدًا كاذبًا.
والمصريون، بحسهم اللطيف وتجاربهم الروحية مع الله سبحانه وتعالى، اعتادوا أن يصنعوا حلوى سمَّوها «العاشوراء»، ويصنعونها في ليلة عاشوراء، ويتهادونها فيما بينهم، ويوسِّع بعضهم على بعض.
وكل هذه الفرحة مردُّها إلى الفرح بنجاة سيدنا موسى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ وهي معانٍ رائقة فائقة، تعلِّم المسلمين شكر الله على نعمه، والفرح بنصره لأوليائه، والرحمة بالخلق، والتوسعة على الأهل والجيران.

