لم يعد الانتماء إلى منتخب وطني في كرة القدم مرتبطا بمكان الميلاد فقط، بل أصبح انعكاسا لمسارات الهجرة، وتعدد الجنسيات، والجذور العائلية التي امتدت عبر القارات وفي الوقت الذي توحد فيه كرة القدم الشعوب، كانت في أحيان أخرى سببا في تقسيم العائلة الواحدة بين منتخبين متنافسين، بل ودفع الإخوة إلى مواجهة بعضهم البعض على أكبر مسرح كروي في العالم وهو كأس العالم.
ومع كأس العالم 2026، تتجدد قصص اللاعبين الذين اختاروا تمثيل أوطان مختلفة رغم روابط الدم التي تجمعهم، في مشهد يعكس التحولات الكبيرة التي شهدتها لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" على مدار العقود الماضية.
أشقاء في المنزل منافسون في المونديال
شهد كأس العالم 2026 وجود أربعة أزواج من الأشقاء يمثلون منتخبات مختلفة، في ظاهرة تعكس اتساع دائرة اللاعبين مزدوجي الجنسية.
فالثنائي ديزيريه وغويلا دويه سيدافع كل منهما عن ألوان منتخب مختلف، حيث يمثل الأول فرنسا، بينما اختار الثاني اللعب لساحل العاج.

كما انقسم الأخوان نيكو وإينياكي ويليامز بين إسبانيا وغانا، بينما يرتدي هاري سوتار قميص أستراليا، في حين يمثل شقيقه جون سوتار منتخب اسكتلندا.

وتكتمل القائمة بالأخوين غير الشقيقين ديريك لوكاسن وبرايان بروبي، اللذين اختارا تمثيل غانا وهولندا على التوالي.
بواتينغ القصة التي كتبها التاريخ مرتين
قبل مونديال 2026، لم يعرف كأس العالم سوى حالة واحدة شهدت مواجهة شقيقين داخل المستطيل الأخضر بقميصي منتخبين مختلفين.
فالأخوان غير الشقيقين جيروم بواتينغ وكيفن برينس بواتينغ كتبا فصلًا استثنائيًا في تاريخ البطولة، بعدما واجه أحدهما الآخر في نسختي جنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014.
كان جيروم أحد أعمدة المنتخب الألماني، بينما اختار كيفن برينس تمثيل غانا، لتتحول المنافسة العائلية إلى حدث عالمي خطف الأنظار، خاصة أن المواجهتين جاءتا في كأس العالم، أكبر بطولة كروية على الإطلاق.
وأصبحت قصة الأخوين بواتينغ رمزا لقدرة كرة القدم على الجمع بين روابط الأسرة وشراسة المنافسة، في واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية إثارة في تاريخ المونديال.
من حرية الاختيار إلى القواعد الصارمة
لم تكن قوانين تمثيل المنتخبات دائمًا بالشكل المعروف اليوم.
فعلى الرغم من تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" عام 1904، فإن اللاعبين كانوا يتمتعون بحرية واسعة في اختيار المنتخب الذي يرغبون في تمثيله، ولم تكن هناك ضوابط واضحة تنظم هذه المسألة.
ويعد الأرجنتيني لويس مونتي أشهر من استفاد من تلك المرونة، بعدما شارك مع الأرجنتين في نهائي كأس العالم 1930، قبل أن يغير وجهته الدولية ويمثل إيطاليا في مونديال 1934، ويقودها إلى التتويج باللقب.
ولا يزال مونتي حتى اليوم اللاعب الوحيد في التاريخ الذي خاض نهائي كأس العالم بقميصي منتخبين مختلفين.
نقطة التحول في عام 1962
بدأت ملامح النظام الحالي تتشكل عام 1962، عندما أقر "فيفا" أول لوائح رسمية لأهلية اللاعبين، واشترط حمل جنسية الدولة التي يرغب اللاعب في تمثيلها، مع منعه من اللعب لأكثر من منتخب وطني خلال مسيرته.

واقتصرت الاستثناءات حينها على الحالات التي تغيرت فيها جنسية اللاعبين قسرا نتيجة التحولات السياسية، كما حدث بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا السابقة.
تعديلات فتحت الباب أمام أبناء المهاجرين
شهد عام 2004 تحولًا جديدًا، بعدما سمح "فيفا" للاعبين الذين مثلوا دولة في منتخبات الفئات السنية بالانتقال لاحقًا إلى منتخب آخر على مستوى الفريق الأول.
لكن الاتحاد الدولي اشترط وجود صلة حقيقية بالدولة الجديدة، سواء من خلال أحد الوالدين أو الأجداد، أو بالإقامة لفترة زمنية محددة.
وفي السنوات اللاحقة، رفع "فيفا" مدة الإقامة المطلوبة إلى خمس سنوات، كما أتاح للاعب تغيير المنتخب إذا لم تتجاوز مشاركاته الرسمية مع المنتخب الأول ثلاث مباريات، وكانت جميعها قبل بلوغه الحادية والعشرين من عمره.
المونديال مرآة لعالم يتغير
تعكس الزيادة المستمرة في عدد اللاعبين المولودين خارج الدول التي يمثلونها حجم التغيرات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، سواء بفعل الهجرة أو تعدد الجنسيات أو اتساع الجاليات حول العالم.
ولذلك لم يعد اختيار قميص المنتخب قرارًا جغرافيًا فحسب، بل أصبح مزيجًا من الانتماء العائلي، والهوية الشخصية، والطموح الرياضي.
ومع كل نسخة جديدة من كأس العالم، تظهر قصص إنسانية جديدة تؤكد أن كرة القدم لم تعد فقط لعبة تجمع الشعوب، بل أصبحت أيضًا مرآة تعكس تعقيدات الهوية والانتماء في عالم بات أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.





