يقولون إن الإنسان يكبر مع مرور السنوات، لكنهم لا يخبروننا أن هناك شيئًا آخر يكبر أيضًا... مخاوفه، وحذره، وحساباته، وخيباته. شيئًا فشيئًا تتسلل الحياة إلى القلب، لا لتأخذ من عمره فقط، بل لتأخذ من براءته، ومن دهشته، ومن تلك القدرة الفطرية على أن يرى الجمال قبل أن يبحث عن النقص.
أما الطفل، فلا يعرف كل هذا. يستيقظ كل صباح وكأنه يلتقي بالحياة للمرة الأولى. يفرح بفراشة حطت على زهرة، ويبتسم لقطرات المطر، ويصنع من الأشياء البسيطة عالمًا كاملًا من السعادة. لا يفكر كثيرًا فيما مضى، ولا يقلق كثيرًا مما سيأتي، لأنه يعيش اللحظة بقلب حاضر، وروح لم تتعلم بعد أن تحمل أثقال الأيام.
ثم نكبر… ونبدأ في النظر إلى العالم بعيون أنهكتها التجارب. نصبح أسرع في الشك، وأبطأ في الثقة، ونحسب خطواتنا قبل أن نمشي، وكلماتنا قبل أن نقولها، ونخشى الفرح أحيانًا لأننا نخاف أن يرحل سريعًا. ومع كل تجربة قاسية، نغلق نافذة صغيرة كانت تدخل منها الشمس إلى أرواحنا، حتى يأتي يوم نظن فيه أن العالم أصبح أقل جمالًا، بينما الحقيقة أن قلوبنا هي التي أصبحت أكثر ازدحامًا.
ليس العالم هو الذي تغيّر، فما زالت السماء تشرق كل صباح، وما زال المطر يغسل الأرصفة، وما زالت الأشجار تزهر في موسمها، ومازال الخير يسكن قلوبًا كثيرة. لكننا لم نعد نتوقف لنتأمل، ولم نعد نندهش كما كنا، ولم نعد نرى التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح أيامنا معنى.
إن أجمل ما في الطفل ليس صغر سنه، بل نقاء قلبه. لا يحمل في داخله خصومات طويلة، ولا يبيت وهو يراجع أخطاء الآخرين، ولا يسمح لموقف واحد أن يجعله يكره الحياة كلها. يبكي إذا تألم، ثم يضحك من جديد، وكأن قلبه يعرف أن الحزن عابر، وأن الفرح يستحق أن يُستقبل كلما طرق الباب.
وهنا تكمن الحكمة التي كثيرًا ما ننساها. فالمطلوب منا ليس أن نبقى أطفالًا في عقولنا، بل أن نحافظ على الطفل الذي في قلوبنا. أن نكبر في الخبرة، لكن دون أن نفقد الدهشة. أن نصبح أكثر وعيًا، لكن دون أن نصبح أكثر قسوة. أن نتعلم من تجاربنا، لكن دون أن نجعلها جدرانًا تعزلنا عن الحياة.
ففي علم النفس، يُقال إن الإنسان الذي يحتفظ بقدرته على الفضول، والاستمتاع بالتفاصيل، والامتنان، يملك مرونة نفسية أكبر في مواجهة الأزمات. لذلك دورنا في التربية، أن نحرص دائمًا على ألا نسرق من أطفالنا براءتهم ونحن نعلمهم الحذر، لأن البراءة ليست ضعفًا، بل طاقة تجعل الإنسان أكثر حبًا للحياة وأكثر قدرة على التوازن.
ولعلنا نحن أيضًا بحاجة إلى أن نربي أنفسنا من جديد. أن نفرح بما لدينا قبل أن نبحث عن ما ينقصنا، وأن نشكر الله على النعم التي اعتدنا وجودها حتى ظننا أنها أشياء عادية، وأن نمنح الآخرين فرصة قبل أن نحاكمهم، وأن نبتسم أكثر، ونعانق من نحب أكثر، ونؤجل الخصومات، لأن العمر أقصر من أن يُستهلك في القسوة.
اتركوا في قلوبكم متسعًا لطفل لا يكبر... طفل يندهش كلما أشرقت الشمس، ويؤمن أن بعد كل ليل فجرًا، وأن الكلمة الطيبة قادرة على جبر خاطر، وأن الحب لا يزال أجمل ما يمكن أن يمر بقلب إنسان.
لا تسمحوا للسنوات أن تأخذ من أرواحكم أكثر مما ينبغي.اكبروا كما تشاؤون في العمر، وفي الحكمة، وفي المعرفة، لكن احتفظوا في أعماقكم بذلك الطفل الذي يرى الجمال في زهرة، والطمأنينة في دعاء، والرحمة في ابتسامة، والأمل في كل صباح جديد.
فربما لم تكن المشكلة يومًا أن الحياة أصبحت أكثر قسوة، بل أننا ضيقنا قلوبنا حتى لم يعد فيها متسع لذلك الطفل الذي كان يعرف، بفطرته، أن العالم مهما ازدحم بالتعب، يبقى جميلًا لمن ينظر إليه بقلبٍ لم يفقد القدرة على الحب.