ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: هل يجوز الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب؟ فإنّ امرأة كانت تمتلك مقدارًا من الذهب، وقامت حال حياتها وصحتها بتقسيم هذا الذهب وتوزيعه بالكامل على أولادها، وقد تسلَّم كل ولد نصيبه منها في حياتها (تم القبض)، وبعد وفاة الأم ظهر من يطالب بجمع هذا الذهب الذي تم توزيعه مرة أخرى بغرض ضمِّه للتركة وإعادة تقسيمه كميراث، فهل يعتبر هذا الذهب هبة ماضية ونافذة لا يجوز الرجوع فيها، أم يُعد من جملة التركة؟ وهل يجوز شرعًا لأي شخص المطالبة باسترداد هذا الذهب بعد وفاة الأم لإعادة توزيعه، أم أنَّ ذلك غير جائز؟
أحكام الهبة في الإسلام
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن هبة الأم ذهبَها لأولادها حال حياتها وهي في كمال صحتها وتمام أهليتها، مع قبض الأولاد له واستلامهم إياه، يُعد هبة صحيحة نافذة شرعًا، استقر بها أثر التمليك، وانتقلت بموجبها ملكية الذهب إلى الأولاد، فلا يدخل هذا الذهب بعد وفاتها في جملة التركة، ولا يتعلق به حق للورثة، ولا يثبت لهم حق الرجوع في هذه الهبة أو المطالبة بإعادة تقسيمه ضمن أموال الميراث.
وأوضحت أن الهبة من أجلِّ محاسن الشريعة الغرَّاء، وأنبل ما تواطأت عليه من صنوف البر والإحسان ومكارم الأخلاق، إذ يُقصد بها استجلاب المودَّة، وتوثيق عُرى القربى، وبث روح السخاء والتواد والتراحم والألفة بين أفراد المجتمع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» أخرجه الإمامان: البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "السنن الكبرى".
وذكرت دار الإفتاء أن إعطاء شخص لآخر شيئًا على جهة التمليك، حال صحته وإدراكه وكمال أهليته، بلا مقابل مالي أو نحوه، يُعدُّ من قبيل الهبة؛ إذ هي في حقيقتها تمليك محض صادر عن تبرع واختيار، وهي أمرٌ جائز شرعًا، كما نقل الإجماع على استحبابها غير واحد من الأئمة.
وتابعت: برضا الطرفين بهذا التصرف، واستلام الموهوب له العين الموهوبة وقبضه إياها من الواهب، وتمكينه منها تمكينًا تامًّا، تكون الهبة قد تمت وانعقدت صحيحة نافذة شرعًا واستقر أثرها الشرعي، فتنفك ملكية الشيء الموهوب عن ملك الواهب وتنتقل إلى ملك الموهوب له، ما دامت الهبة لم يطرأ عليها ما يقتضي فسخها أو إبطالها أو الرجوع فيها.
وتواردت نصوص فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة على أن الهبة متى قُبضت بإذن الواهب فإنها تكون تامة شرعًا وتترتب عليها آثارها من نحو ثبوت ملك الموهوب للموهوب له، فيكون له حق التَّصرف فيها بجميع وجوه التصرفات المشروعة.
