لم تكن معركة هؤلاء الشباب مع السرطان هي التحدي الأخير في حياتهم، فبعد سنوات طويلة قضوها بين جلسات العلاج وغرف العمليات ومواعيد المتابعة، كان من الطبيعي أن تحظى هذه الفئة من الشباب بمزيد من الرعاية والاهتمام، ليس فقط على المستوى الطبي، وإنما أيضًا في كل ما يتعلق بإجراءاتهم الحياتية.
وانطلاقًا من هذا النهج، جاءت مبادرة القوات المسلحة، ممثلة في هيئة التنظيم والإدارة للقوات المسلحة وإدارة التجنيد والتعبئة للقوات المسلحة، لتيسير إنهاء المواقف التجنيدية لشباب مستشفى 57357 من خلال انتقال لجان التجنيد والعتبئة إلى داخل المستشفى، وإنجاز جميع الإجراءات في أماكن وجودهم، بما يراعي ظروفهم الصحية ويخفف عنهم وعن أسرهم مشقة التنقل بين الجهات المختلفة، دون عناء أو تكلفة.
وجسدت المبادرة، التي حملت شعار "أمل وإرادة.. يد تداوي ويد تحمي"، صورة عملية للتكامل بين مؤسسات الدولة، حيث التقت رسالة المستشفى في علاج المرضى ورعايتهم، مع الدور الوطني والإنساني للقوات المسلحة في تقديم الدعم لأبناء الوطن، بما يخفف عنهم الأعباء في مختلف الظروف.
وبتوجيهات القيادة السياسية والقيادة العامة للقوات المسلحة، دفعت هيئة التنظيم والإدارة للقوات المسلحة، ممثلة في إدارة التجنيد والتعبئة للقوات المسلحة ومنطقة تجنيد وتعبئة القاهرة، لجانًا متخصصة إلى مستشفى 57357، لتوقيع الكشف الطبي وإنهاء جميع المواقف التجنيدية للشباب المستحقين داخل المستشفى، وخلال 5 أيام فقط، تمكنت اللجان من إنهاء الإجراءات لـ 367 شابًا تتراوح أعمارهم بين 17 و23 عامًا، من مختلف المؤهلات الدراسية، وينتمون إلى 27 محافظة، في خطوة استهدفت الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المرضى والمتعافين، وتخفيف المشقة عنهم في مرحلة يفترض أن ينشغلوا فيها باستكمال حياتهم ودراستهم ومستقبلهم.
ويأتي هذا التعاون امتدادًا للرؤية التي يعمل بها مستشفى 57357 منذ إنشائه، والتي تقوم على أن رحلة علاج المريض لا تقتصر على تقديم الخدمة الطبية فقط، وإنما تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي، وتهيئة الظروف التي تساعده على استعادة حياته الطبيعية، وإزالة أي عقبات قد تواجهه بعد التعافي.
وفي هذا السياق، أكد اللواء أحمد مصطفى صادق مدير إدارة التجنيد والتعبئة للقوات المسلحة أن هذه المبادرة تأتي في إطار الدور الوطني والمجتمعي الذي تضطلع به القوات المسلحة، انطلاقًا من حرصها على تقديم كل أشكال الدعم والرعاية لأبناء الوطن، خاصة الفئات الأولى بالرعاية، موضحا أن تيسير إنهاء المواقف التجنيدية لشباب المستشفى داخل أماكن تلقيهم العلاج يعكس اهتمام القوات المسلحة بمراعاة ظروفهم الصحية، وتخفيف المشقة عنهم وعن أسرهم، بما يجسد نهج الدولة في وضع الإنسان في مقدمة أولوياتها.
وأضاف أن ما حققه هؤلاء الشباب من انتصار على المرض بإرادتهم وعزيمتهم يمثل مصدر فخر وإلهام للجميع، مؤكدًا أن القوات المسلحة ستظل داعمًا لكل المبادرات التي تستهدف خدمة المواطن وتيسير حياته.
ومن جهته، أكد المهندس لطفي البدراوي الأمين العام لمؤسسة 57357 أن المبادرة تعكس أسمى معاني المسؤولية الوطنية والإنسانية، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة اعتادت أن تكون سندًا للمواطن المصري في مختلف المواقف، وأن هذا التعاون يجسد نموذجًا مشرفًا للتكامل بين مؤسسات الدولة في خدمة الإنسان.
وأوضح أن تيسير استخراج شهادات الإعفاء من الخدمة العسكرية لا يمثل مجرد إجراء إداري بل يحمل رسالة أعمق تؤكد أن أبناء مصر يحظون باهتمام مؤسسات دولتهم، وأن رحلة العلاج التي خاضها هؤلاء الشباب بكل شجاعة تجد من يقدرها ويعمل على إزالة أي أعباء قد تواجههم بعد التعافي، لافتًا إلى أن المستشفى تؤمن بأن الرعاية الحقيقية تمتد إلى ما بعد انتهاء العلاج، وتشمل دعم المريض نفسيًا واجتماعيًا، وتمكينه من استكمال حياته بصورة طبيعية.
ولم تكن كلمات أولياء الأمور خلال الاحتفالية مجرد عبارات شكر؛بل عكست حجم الأثر الذي تركته المبادرة في نفوسهم، بعدما اختصرت عليهم رحلة كانت ستتطلب الكثير من الجهد والوقت.
وفي هذا الإطار، قال محمد سيد راضي، والد أحد المستفيدين، إنه سبق أن خاض بنفسه تجربة إنهاء إجراءات التجنيد، وكان يدرك حجم ما تتطلبه من انتقالات وإجراءات، لذلك لم يكن يتوقع أن تنتهي جميع الإجراءات داخل المستشفى بهذه السهولة.
وأوضح أن الأسرة تلقت اتصالًا من المستشفى، ثم حضرت في الموعد المحدد، حيث جرى استلام الأوراق وإجراء الكشف الطبي، قبل أن تتلقى اتصالًا آخر لتحديد موعد تسليم شهادة الإعفاء، مشيرا إلى أن المبادرة وفرت على الأسر مجهودًا كبيرًا في وقت كانوا فيه في أمس الحاجة إلى هذا التيسير.
وبدوره، أكد عادل جرجس والد أحد الشباب أن خبر المبادرة أدخل السعادة إلى الأسرة، لأنه أنهى قلقًا ظل يرافقهم لفترة طويلة، خاصة مع صعوبة انتقال الأبناء الذين مروا برحلة علاج قاسية إلى مناطق التجنيد.
واعتبر أن ما قدمته القوات المسلحة يعكس اهتمامًا حقيقيًا بالمواطن، ليس فقط في القضايا الكبرى، وإنما أيضًا في التفاصيل التي تمس حياته اليومية.
وفي السياق نفسه، أوضح عبد الحي عيسى والد أحد المستفيدين أن استخراج شهادة الإعفاء كان يمثل هاجسًا بالنسبة للأسر، لما يترتب عليه من ارتباط باستكمال الدراسة أو إنهاء بعض الإجراءات الحكومية أو السفر، مؤكدًا أن المبادرة وفرت عليهم عناءً كبيرًا، كما دعا إلى استمرار مثل هذه المبادرات التي تلامس احتياجات المواطنين بصورة مباشرة.
ولم يخفِ الشباب أنفسهم شعورهم بالارتياح بعد انتهاء الإجراءات بسهولة ويسر، فقد أكد مصطفى عصام أحد المستفيدين أن جميع الخطوات تمت داخل المستشفى، بداية من تجهيز الأوراق وحتى الكشف الطبي، مشيدًا بحسن تنظيم اللجان والتعامل الراقي من القائمين عليها، وهو ما جعل الإجراءات تنتهي دون أي تعقيدات.
وبدوره، قال يوسف علي "إن جميع الإجراءات أُنجزت في يوم واحد داخل المستشفى، وهو ما وفر على المرضى وأسرهم الوقت والجهد"، بينما أشار أحمد سمير إلى أنه لم يكن مضطرًا إلى الانتقال إلى منطقة التجنيد والتعبئة، حيث جرت جميع الخطوات داخل المستشفى، وبالمجان، الأمر الذي خفف كثيرًا من الأعباء التي كان يتوقعها.
ورغم أن المبادرة انتهت بتسليم شهادات الإعفاء، فإن أثرها الحقيقي تجاوز الأوراق الرسمية، ليترك شعورًا بالطمأنينة لدى عشرات الأسر التي وجدت من يقدر ظروفها، ويمنح أبناءهم فرصة للانطلاق نحو مستقبلهم دون أعباء إضافية.
وبين يد تداوي المرض داخل مستشفى 57357، ويد تحمي أبناء الوطن من مشقة الإجراءات؛ قدمت هذه المبادرة نموذجًا إنسانيًا يعكس أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملكه من إمكانات، وإنما أيضًا بقدرتها على الوصول إلى مواطنيها في أكثر اللحظات احتياجًا، ومساندتهم في التفاصيل الصغيرة التي تصنع فارقًا كبيرًا في حياتهم، لتبقى رسالة المبادرة واضحة: “أن الإنسان يظل دائمًا في قلب الاهتمام”.