رغم التحول الملحوظ في توجهات الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين منذ أحداث 7 أكتوبر والحرب، تواجه أحزاب الائتلاف الحاكم معضلة انتخابية متزايدة، إذ تفشل حتى الآن في ترجمة هذا التحول إلى مكاسب انتخابية حقيقية.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية للكاتب والمحلل السياسي ماتي توخفيلد، فإن ما بين 15 و25 مقعدًا محتملًا باتت تمثل أصواتًا لناخبين محسوبين على اليمين، لكنهم لا يرغبون في الوقت الحالي في التصويت لأي من الأحزاب الرئيسية الثلاثة في الائتلاف، وهي «الليكود» و«الصهيونية الدينية» و«عوتسما يهوديت».
اليمين يتقدم.. وأحزاب الائتلاف لا تستفيد
وتشير المعطيات إلى أن المجتمع الإسرائيلي يتحرك نحو اليمين في ثلاثة ملفات رئيسية، هي التقاليد واليهودية، وتشدد المواقف الأمنية، ودعم الاستيطان في الضفة الغربية ومعارضة أي انسحاب أو نقل للأراضي.
وبناءً على هذه الاتجاهات، كان من المتوقع أن تحصل الأحزاب التي تتبنى هذه المواقف على أكثر من 70 مقعدًا، وربما تصل إلى 75 مقعدًا، مقارنة بنحو 68 مقعدًا كانت تمتلكها في الكنيست الحالي قبل 7 أكتوبر.
لكن نتائج استطلاعات الرأي لا تعكس هذا التحول، بل تظهر استمرار تراجع قوة أحزاب الائتلاف، ما يثير تساؤلات داخل معسكر اليمين بشأن مصير الأصوات التي يُفترض أن تصب في صالحه.
الليكود وتحالفه مع الحريديم في مرمى الانتقادات
وتبحث قيادات الأحزاب اليمينية عن أسباب ابتعاد هذه الكتلة من الناخبين، وتشير التحليلات إلى عاملين رئيسيين: تركيبة قائمة حزب الليكود، وتحالفه السياسي مع الأحزاب الحريدية.
كما تلعب عوامل أخرى دورًا في عزوف بعض الناخبين، من بينها الغضب من إخفاق الحكومة في منع هجوم 7 أكتوبر، وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلًا عن خيبة الأمل من نتائج الإصلاحات القضائية التي دفعت بها حكومة بنيامين نتنياهو.
استطلاعات الرأي لا تكشف الصورة كاملة
ويرى شموئيل روزنر، في تحليله الأسبوعي بصحيفة «معاريف»، أن قراءة المشهد الانتخابي لا ينبغي أن تقتصر على عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب في استطلاعات الرأي، وإنما يجب النظر أيضًا إلى «القدرة التصويتية» الكامنة لدى الأحزاب.
فمثلًا، إذا قال 25% من الناخبين إنهم مستعدون للتفكير في التصويت لليكود، فهذا لا يعني أن الحزب سيحصل بالفعل على ربع أصوات الناخبين، لأن هؤلاء قد يدرسون في الوقت نفسه التصويت لأحزاب أخرى.
وتظهر المنافسة بصورة واضحة بين الليكود وعوتسما يهوديت؛ إذ يفكر 40% ممن يفكرون في التصويت لليكود أيضًا في التصويت لعوتسما يهوديت، بينما يفكر 11% منهم في حزب «يشار». ومن منظور كتلة اليمين، فإن انتقال الناخب إلى عوتسما يهوديت لا يمثل خسارة للكتلة، في حين أن انتقاله إلى حزب من خارجها قد يؤدي إلى فقدان المقعد لصالح المعارضة.
بن غفير يواجه سقفًا انتخابيًا صعبًا
وتكشف البيانات أيضًا عن ارتفاع معدلات رفض حزب «عوتسما يهوديت»، الذي يتزعمه إيتامار بن غفير. إذ يستبعد 39% من الناخبين اليهود إمكانية التصويت للحزب، في حين لا يبدي سوى 21% استعدادهم للنظر في التصويت له.
ومع احتساب مواقف الناخبين العرب، تصبح قاعدة الرافضين للحزب أوسع بكثير، ما يحد من قدرته على توسيع قاعدته الانتخابية رغم حضوره القوي داخل معسكر اليمين.
سموتريتش.. قاعدة وفية بلا مساحة للنمو
أما حزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش، فيقترب من تجاوز نسبة الحسم بمتوسط يبلغ نحو 4.8 مقاعد، لكنه يواجه مشكلة مختلفة تتمثل في محدودية فرص التوسع.
وتشير البيانات إلى أن 79% ممن يفكرون في التصويت للحزب يؤكدون أنهم سيصوتون له بالفعل، بينما يفكر أكثر من نصف مؤيديه أيضًا في التصويت لعوتسما يهوديت، ونحو ربعهم في التصويت لليكود.
وفي المقابل، لا تكاد توجد حركة انتخابية تُذكر من مؤيدي الأحزاب الأخرى باتجاه الصهيونية الدينية. ومن بين الناخبين المترددين، لا تتجاوز نسبة من يفكرون في التصويت للحزب نحو 1%، ما يعكس محدودية قدرته على جذب ناخبين جدد.
وبحسب خلاصة روزنر، فإن الصهيونية الدينية تمثل حزبًا يمتلك قاعدة صغيرة لكنها مستقرة، مع فرص محدودة للغاية للنمو.
الأصوات تتحرك بعيدًا عن الائتلاف
وتشير بيانات انتقال الناخبين إلى أن الحركة الحالية تميل بدرجة أكبر نحو أحزاب المعارضة.
فـ8% من ناخبي الليكود يفكرون في التصويت لحزب «يشار»، مقابل 2% فقط من ناخبي «يشار» الذين يفكرون في الانتقال إلى الليكود.
كما يفكر 6% من ناخبي الليكود في التصويت لـ«يسرائيل بيتينو» بزعامة أفيغدور ليبرمان، بينما لا يفكر سوى 1% من ناخبي ليبرمان في الانتقال إلى الليكود.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على ناخبي الليكود، إذ توجد أيضًا بين مؤيدي عوتسما يهوديت حركة باتجاه أحزاب المعارضة، بينما تكاد تكون الحركة في الاتجاه المعاكس معدومة.
فرصة نتنياهو للحصول على الأغلبية تتراجع
ويعتمد النموذج الإحصائي الذي استندت إليه «معاريف» على متوسط مرجح لمجموعة من استطلاعات الرأي، مع الأخذ في الاعتبار اتجاهات الناخبين، وحجم العينات، والفروق بين المؤسسات التي تجري الاستطلاعات.
وبحسب أحدث البيانات الأسبوعية، تبلغ احتمالية حصول الائتلاف الحالي على أغلبية 61 مقعدًا نحو 11.05% فقط، بينما تصل احتمالية حصول المعارضة، من دون الأحزاب العربية، على الأغلبية إلى 21.38%.
وفي المقابل، تشير المحاكاة إلى احتمالية مرتفعة للغاية لتشكيل حكومة موسعة تضم الليكود، والصهيونية الدينية، وبيني غانتس، وأفيغدور ليبرمان، وغادي آيزنكوت، وتروبر-هاندل، وأزرق أبيض، إذ تصل هذه النسبة إلى 99.49% وفق السيناريوهات التي يختبرها النموذج.
كما يحصل تحالف «التغيير»، الذي يضم أيضًا حزب «راعم»، على الأغلبية في نحو 53.80% من السيناريوهات.
وعلى مستوى توازن الكتل، تتقدم المعارضة على الائتلاف في 57.53% من عمليات المحاكاة، مقابل 38.87% للائتلاف، بينما يحدث التعادل بين الطرفين في 3.60% من السيناريوهات.
10 آلاف سيناريو انتخابي
ويختبر النموذج نحو 10 آلاف سيناريو انتخابي مختلف، من خلال تحديد نطاق محتمل للمقاعد التي يمكن أن يحصل عليها كل حزب، استنادًا إلى متوسطات استطلاعات الرأي وحركة الناخبين المحتملة بين الأحزاب.
وبعد ذلك، يحسب النموذج فرص كل كتلة في الحصول على الأغلبية.
لكن هذه النتائج لا تمثل توقعًا حاسمًا لنتيجة الانتخابات، وإنما تعكس احتمالات السيناريوهات المختلفة وفق المعطيات الحالية.
25 مقعدًا قد تحسم مصير اليمين
وتبقى النقطة الأهم في المشهد الانتخابي الإسرائيلي أن التحول نحو اليمين لا يعني بالضرورة عودة الناخبين تلقائيًا إلى أحزاب الائتلاف الحالية.
فهناك كتلة تتراوح بين 15 و25 مقعدًا من الناخبين ذوي التوجهات اليمينية، لكنها لا تزال تبحث عن بديل أو ترفض في الوقت الراهن التصويت لأحزاب نتنياهو وشركائه.
وبالتالي، فإن المعركة الانتخابية المقبلة قد لا تُحسم فقط باتجاه الرأي العام نحو اليمين أو اليسار، وإنما بقدرة أحزاب الائتلاف على استعادة هذه الأصوات المفقودة.
وفي ظل بقاء هذه المقاعد خارج كتلة واحدة، تظل خريطة الانتخابات الإسرائيلية شديدة التقلب، فيما تتراجع فرص نتنياهو في الوصول إلى عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة.