قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

100 يوم بلا شمس ولا أهل .. أخطر ما قد يواجهه الإنسان في طريقه إلى المريخ| ما القصة؟

الفضاء
الفضاء

تخيل أن تستيقظ صباحا ولا ترى الشمس، ولا تسمع أصوات الشارع، ولا تستطيع احتضان عائلتك أو الخروج لاستنشاق الهواء في الخارج تخيل أن الأشخاص الخمسة الذين تراهم يوميًا هم عالمك بأكمله، وأن العودة إلى الحياة الطبيعية ليست خيارًا متاحًا في أي لحظة.

هذا السيناريو القاسي لم يعد مجرد فكرة من أفلام الخيال العلمي، إذ عاش ستة أشخاص هذه التجربة بالفعل لمدة 100 يوم داخل منشأة مغلقة في ألمانيا، في واحدة من أكثر تجارب العزل البشري طموحًا لمحاكاة الظروف التي قد يواجهها رواد الفضاء خلال الرحلات المستقبلية إلى القمر والمريخ.

لكن العلماء لم يكونوا يبحثون فقط عن إجابة لسؤال هل يستطيع الإنسان البقاء في مكان مغلق لأشهر؟
السؤال الأكثر خطورة كان ماذا يحدث لعقل الإنسان عندما تستمر العزلة، وتغيب الشمس، وتتقلص الخصوصية، ويصبح التواصل مع العالم الخارجي محدودا؟

100 يوم تحت الاختبار

أنهى المشاركون الستة، وهم رجال ونساء من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبولندا والبرتغال، يوم الجمعة تجربة SOLIS100 داخل منشأة تابعة للمركز الألماني للطيران والفضاء في مدينة كولونيا.

وعلى مدار أكثر من ثلاثة أشهر، عاش المشاركون في بيئة مغلقة ومعزولة عن العالم الخارجي، من دون ضوء الشمس وبموارد محدودة، مع قيود على التواصل الشخصي مع العائلة والأصدقاء.

لكن الحياة داخل المنشأة لم تكن مجرد انتظار لانتهاء الأيام كان عليهم الالتزام بجدول يومي صارم يتضمن العمل العلمي، وإجراء القياسات الطبية، وممارسة الرياضة، وصيانة المنشأة، وتنفيذ المهام المختلفة، والتواصل مع فريق دعم المهمة عبر نظام اتصال داخلي.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة؛ فالفضاء لا يحتاج إلى أشخاص قادرين على تحمل الوحدة فحسب، وإنما إلى طاقم يستطيع العمل والتفكير واتخاذ القرارات والتعاون تحت الضغط.

ماذا يحدث للعقل عندما تختفي الشمس؟

ركز الباحثون خلال التجربة على مجموعة واسعة من المؤشرات، بينها النوم، والمزاج، والتوتر، والأداء الذهني، والقدرة على اتخاذ القرار، ومدى تماسك الفريق فالإنسان عندما يعيش لفترات طويلة بعيدًا عن دورة الليل والنهار الطبيعية، وفي مساحة محدودة، قد يتعرض لاضطرابات في النوم وتغيرات في المزاج والتركيز والاستجابة للضغط.
ومع مرور الوقت، يمكن أن تصبح العلاقات بين أفراد الطاقم نفسها جزءًا من التحدي.

ففي رحلة إلى المريخ، لن يكون بإمكان أحد مغادرة المركبة ببساطة إذا نشب خلاف، ولن يكون هناك مجال لتغيير أفراد الطاقم أو الحصول على مساعدة فورية من الأرض.

ولهذا أراد العلماء معرفة كيفية الحفاظ على الأداء النفسي والعقلي للإنسان عندما تتحول العزلة من أيام إلى أسابيع ثم إلى أشهر.

المريخ رحلة لا تسمح بالهروب

تكتسب نتائج التجربة أهمية خاصة مع اقتراب عصر الرحلات الفضائية بعيدة المدى فرواد الفضاء الذين يعيشون حاليًا في المدار الأرضي المنخفض يظلون قريبين نسبيًا من الأرض، ويمكن في بعض الحالات توفير الدعم أو التدخل بصورة أسرع.

أما المريخ، فالقصة مختلفة تمامًا في الظروف المدارية المناسبة، قد تستغرق الرحلة إلى الكوكب الأحمر نحو ستة أشهر، ما يعني أن أفراد الطاقم سيقضون وقتًا طويلًا مع الأشخاص أنفسهم داخل مساحة محدودة، بينما تصبح الاتصالات مع الأرض أكثر تأخرًا، وتصبح فكرة الإنقاذ السريع شبه مستحيلة.

وهنا يتحول السؤال من «كيف نصل إلى المريخ؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا كيف نحافظ على الإنسان سليمًا وقادرًا على العمل طوال الرحلة؟

ستة أشخاص في عالم مغلق

تراوحت أعمار المشاركين في SOLIS100 بين 26 و32 عامًا، وخضعوا قبل اختيارهم لفحوصات طبية ونفسية وجسدية للتأكد من قدرتهم على تحمل ظروف التجربة.

كان لكل مشارك مساحة خاصة للنوم، بينما جرت غالبية الأنشطة في المناطق المشتركة.

ولم يكن أفراد الطاقم مجرد أشخاص تحت المراقبة، بل شاركوا في تجارب علمية واختبارات تقنية، ما جعل حياتهم اليومية أقرب إلى الحياة التي قد يعيشها رواد الفضاء خلال مهمة حقيقية.

وأقيمت التجربة داخل مجمع envihab التابع للمركز الألماني للطيران والفضاء، وهو مرفق بحثي متخصص في دراسة تأثير البيئات غير المألوفة على جسم الإنسان وعقله، بما في ذلك العزلة والتوتر والعيش في بيئات محكمة الرقابة.

تجربة أطول بعد اختبار قصير

لم تكن SOLIS100 التجربة الأولى من نوعها، إذ سبقتها تجربة SOLIS8 في عام 2025.

وساعدت التجربة السابقة الباحثين على اختبار المنشأة والمعدات والإجراءات والمهام التشغيلية، قبل الانتقال إلى الاختبار الأطول الذي امتد 100 يوم.

وتحظى الدراسة بدعم من وكالة الفضاء الأوروبية، في إطار أبحاث تستهدف فهم التحديات البشرية المرتبطة بالمهمات الفضائية طويلة الأمد.

العزلة ليست المشكلة الوحيدة

ورغم أن SOLIS100 ركزت بصورة أساسية على العزلة والعوامل النفسية والسلوكية، فإن العلماء يدركون أن رحلة المريخ ستكون أكثر تعقيدًا بكثير فالجسم نفسه سيتعرض لتغيرات هائلة بسبب انخفاض الجاذبية، ولذلك تجري تجارب أخرى لدراسة تأثيرات ظروف تحاكي انعدام الوزن.

ومن بين هذه الأبحاث حملة SMC3 للراحة في الفراش، التي يدرس خلالها الباحثون التغيرات التي تصيب العضلات والعظام وسوائل الجسم والجهاز القلبي الوعائي.

ويحتاج العلماء إلى جمع نتائج هذه التجارب المختلفة لأن أي تجربة أرضية واحدة لا تستطيع محاكاة كل ما سيواجهه الإنسان في الفضاء السحيق.

انتهاء التجربة وبداية الاختبار الحقيقي

غادر أفراد طاقم SOLIS100 المنشأة وعادوا إلى حياتهم الطبيعية، لكن بالنسبة للعلماء، لم تنته التجربة بعد.

المرحلة المقبلة تتمثل في تحليل الكم الهائل من البيانات التي جُمعت خلال 100 يوم، ومحاولة اكتشاف التغيرات التي طرأت على النوم والمزاج والتوتر والأداء العقلي والتماسك الجماعي وغيرها من المؤشرات فكل ساعة قضاها المشاركون خلف الأبواب المغلقة قد تحمل إجابة تساعد في تصميم رحلات الفضاء المستقبلية.