في اكتشاف جديد قد يعيد رسم ملامح تاريخ الكوكب الأحمر، التقطت مركبة كيوريوسيتي التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" مشاهد استثنائية خلال رحلتها عبر وادي مريخي يُعرف باسم "فالي غراندي"، حيث رصدت تكوينات هندسية غريبة تغطي سطح المنطقة بأكملها، في مشهد يشبه خلايا النحل العملاقة.
مشهد غير مسبوق يدهش علماء ناسا
وتظهر الصور البانورامية التي التقطتها المركبة شبكة متشابكة من التشققات المضلعة، يتراوح قطر كل منها بين 4 و8 سنتيمترات، إلا أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في شكلها، بل في اتساع رقعتها، إذ تمتد هذه الأنماط في جميع الاتجاهات إلى أبعد نقطة تستطيع كاميرات المركبة رصدها.

“بحر من المضلعات” منظر لم يسبق له مثيل
رغم أن كيوريوسيتي رصدت خلال سنوات عملها السابقة تجمعات صغيرة من هذه التكوينات، فإن العلماء يؤكدون أن المشهد الجديد هو الأكبر والأكثر اكتمالا منذ هبوط المركبة على المريخ.
وتغطي هذه التكوينات كذلك جوانب تل قريب يُعرف باسم "ميرافلوريس"، الذي يرتفع نحو ستة أمتار فوق المنطقة المحيطة، بينما تعلوه طبقة كثيفة من الرمال، ما يمنح المكان مظهرًا جيولوجيًا فريدًا يثير فضول الباحثين.
ووصف أشوين فاسافادا، عالم مشروع كيوريوسيتي في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، هذا المشهد بأنه "واحد من أكثر المناظر الطبيعية إدهاشًا التي وثقتها المركبة"، مؤكدًا أن الفريق العلمي بدأ بالفعل في دراسة التركيب الكيميائي والهندسي لهذه التكوينات لفهم سر نشأتها.

كيف تشكلت هذه الأنماط الغامضة؟
ويعتقد العلماء أن هذه التكوينات قد تكون نتجت عن تشقق الطين بعد جفافه قبل مليارات السنين، إلا أن هذا ليس التفسير الوحيد.
فبحسب الباحثين، قد تؤدي التغيرات المتكررة في درجات الحرارة بين الليل والنهار إلى ظهور هذه الأنماط الهندسية المنتظمة، كما يمكن أن تتشكل بفعل ضغط المياه الجوفية التي تتحرك داخل الرواسب المدفونة تحت السطح.
ولا يستبعد العلماء أن تكون هذه التضاريس نتاج سلسلة من العمليات الجيولوجية المتعاقبة، وهو ما تعمل فرق البحث على التحقق منه عبر تحليل البيانات التي ترسلها كيوريوسيتي.
كيوريوسيتي 14 عامًا من المفاجآت
يأتي هذا الاكتشاف في وقت تستعد فيه مركبة كيوريوسيتي لإكمال عامها الرابع عشر على سطح المريخ، بعدما هبطت هناك في الخامس من أغسطس عام 2012.
وخلال رحلتها الطويلة، كشفت المركبة عن العديد من المفاجآت العلمية، من بينها العثور على بلورات كبريتية، ونيازك لامعة، وتكوينات صخرية نادرة، إلى جانب أدلة غيرت نظرة العلماء إلى تاريخ الكوكب الأحمر.
هل كان المريخ صالحا للحياة؟
أبرز ما توصلت إليه مهمة كيوريوسيتي هو أن المريخ لم يكن دائمًا عالما جافا وقاحلا كما يبدو اليوم، بل كان قبل مليارات السنين يحتضن بحيرات وأنهارًا وجداول مائية، خاصة في محيط جبل شارب الذي تواصل المركبة استكشافه منذ عام 2014.
كما كشفت التحاليل عن وجود جزيئات عضوية كربونية تُعد من اللبنات الأساسية لتكوين الحمضين النوويين DNA وRNA، وهما العنصران المسؤولان عن حفظ ونقل المعلومات الوراثية في الكائنات الحية.
ورغم أن العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من الجزم بما إذا كانت هذه المركبات نتجت عن نشاط بيولوجي أم عمليات جيولوجية طبيعية، فإنها تؤكد أن المريخ القديم امتلك المقومات الكيميائية التي قد تسمح بوجود حياة ميكروبية في الماضي.
لغز جديد يقود إلى أسرار أقدم
ويؤكد الخبراء أن الحقل الهندسي المكتشف حديثا ليس مجرد ظاهرة جيولوجية لافتة، بل قد يمثل قطعة جديدة في أحجية تاريخ المريخ المعقد. فكل صورة ترسلها كيوريوسيتي، وكل صخرة تفحصها، تقرب العلماء خطوة إضافية من الإجابة عن السؤال الأكبر هل احتضن الكوكب الأحمر حياة في يوم من الأيام؟
ومع استمرار المهمة، يترقب المجتمع العلمي ما ستكشفه البيانات القادمة، في رحلة لا تزال تحمل الكثير من الأسرار المدفونة تحت تراب المريخ.



