قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

للمرة الأولى.. العلماء يشاهدون الأرض وهي تعيد بناء نفسها في أعماق المحيط الهندي

الأرض
الأرض

في أعماق المحيط الهندي، بعيدًا عن أعين البشر وعلى مسافات تصل إلى آلاف الأمتار تحت سطح المياه، كان كوكب الأرض يكتب فصلا جديدا من تاريخه الجيولوجي ولأول مرة، نجح علماء في رصد عملية تشكل قشرة محيطية جديدة أثناء حدوثها، في إنجاز علمي وصفه الباحثون بأنه من أبرز الاكتشافات في علوم الأرض خلال السنوات الأخيرة.

حدث جيولوجي نادر يكشف أسرار ولادة قاع محيط جديد

ويمثل هذا الرصد المباشر خطوة غير مسبوقة لفهم الكيفية التي يعيد بها الكوكب تشكيل سطحه باستمرار، بعد أن ظلت هذه العملية لعقود طويلة معروفة فقط من خلال الأدلة غير المباشرة والنماذج النظرية.

جزيرة نائية تتحول إلى مختبر طبيعي

وقع الاكتشاف بالقرب من جزيرة أمستردام الفرنسية الواقعة جنوب المحيط الهندي، حيث يلتقي الحيد المحيطي بين الصفيحة الأسترالية والصفيحة القطبية الجنوبية، وهي منطقة تُعد من أكثر بقاع العالم نشاطًا جيولوجيًا.

واختار العلماء هذا الموقع بعناية لأنه يمثل بيئة مثالية لدراسة حركة الصفائح التكتونية، والثورات البركانية تحت سطح البحر، والينابيع الحرارية التي تكشف أن قاع المحيط في حالة تغير دائم.

مرصد بحري يرصد اللحظة التاريخية

في فبراير 2024، نشر فريق البحث مرصدًا بحريًا مزودًا بخمسة أجهزة هيدروفون فائقة الحساسية، صُممت لالتقاط الاهتزازات والزلازل والأصوات الصادرة من أعماق الأرض.

وبعد أقل من شهرين، بدأت الأجهزة في تسجيل إشارات غير اعتيادية، معلنة بداية حدث جيولوجي طالما حلم العلماء برصده بشكل مباشر.

زلازل وهبوط مفاجئ لقاع البحر

في مساء 26 أبريل 2024، شهدت المنطقة سلسلة من الزلازل المتتابعة، تزامنت مع هبوط قاع البحر بنحو 4.2 متر خلال أيام قليلة، بينما وقع الجزء الأكبر من هذا التغير خلال أقل من 40 دقيقة.

ويرجح الباحثون أن السبب لم يكن انهيارا أرضيا، بل تفريغ خزان ضخم من الصهارة يقع على عمق يقارب 3.6 كيلومتر أسفل القشرة الأرضية، حيث اندفعت الصخور المنصهرة عبر الشقوق نحو السطح، ما أدى إلى هبوط الطبقات الصخرية التي تعلو الخزان.

ارتفاع حرارة المياه كشف وصول الحمم

لم تتوقف الأدلة عند النشاط الزلزالي، فقد سجلت أجهزة الرصد ارتفاعا ملحوظا في حرارة مياه البحر بعد دقائق من الهبوط الكبير، وهو ما اعتبره العلماء دليلًا على وصول الحمم البركانية إلى قاع المحيط.

وسرعان ما بردت تلك الحمم بفعل مياه البحر، لتبدأ في تكوين طبقة جديدة من القشرة المحيطية، وهي العملية التي تشكل باستمرار أرضية المحيطات منذ مئات الملايين من السنين.

كيف تولد المحيطات؟

تعرف هذه الظاهرة علميا باسم "تمدد قاع البحر"، حيث تتباعد الصفائح التكتونية عن بعضها، فتندفع الصهارة من باطن الأرض لملء الفراغ الناتج، ثم تتصلب مكونة قشرة جديدة تدفع القشرة الأقدم بعيدًا عن مركز الحيد المحيطي.

ورغم أن هذه العملية مسؤولة عن تكوين نحو ثلثي سطح الأرض، فإن العلماء لم يتمكنوا من مشاهدتها بشكل مباشر من قبل بسبب حدوثها في أعماق يصعب الوصول إليها.

نظرية عمرها عقود تتحول إلى حقيقة مرئية

اعتمد العلماء لعقود على دلائل غير مباشرة لإثبات تكون القشرة المحيطية، مثل أعمار الصخور والأنماط المغناطيسية الموجودة في قاع المحيطات، لكن هذه الدراسة وفرت لأول مرة تسجيلًا مباشرًا للحظة تشكل قشرة جديدة أثناء وقوعها.

ووصف خبراء في الجيوفيزياء النتائج بأنها تمثل نقطة تحول في دراسة ديناميكية باطن الأرض، مع الإشارة إلى أن بعض القيود التقنية لا تزال قائمة، خصوصًا فيما يتعلق بدقة قياس أعماق الزلازل والتغيرات الدقيقة في تضاريس قاع البحر.

نافذة جديدة لفهم كوكب الأرض

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام مرحلة جديدة من الأبحاث حول حركة الصفائح التكتونية، والنشاط البركاني في أعماق البحار، وآليات تشكل القشرة الأرضية.

ورغم أن هذه العمليات تجري بصمت بعيدًا عن حياة البشر، فإنها لا تتوقف عن إعادة رسم ملامح الكوكب الذي نعيش عليه، لتؤكد أن الأرض ليست جرمًا جامدًا، بل عالم نابض بالحركة والتجدد منذ مئات الملايين من السنين.