كشف تقرير لمجلة "نيوزويك" الأمريكية أن قوة تنظيم حزب الله اللبناني أعاد ترتيب أوراقه العسكرية، إذ انتقل من الاعتماد على الترسانة التقليدية إلى حرب استنزاف منخفضة الكلفة قوامها المسيّرات الذكية وتقنيات الألياف الضوئية، ما أربك خطط إسرائيل الدفاعية وأعاد خلط الأوراق أمام إدارة ترامب الساعية لفصل الجبهة اللبنانية عن المواجهة مع إيران.
وأشارت المجلة الأمريكية في تقريرها بعنوان "التكتيكات الجديدة لحزب الله- خبر سيء" لنتنياهو وترامب"، إلى أن حزب الله بعد استعادة عافيته واعتماده تكتيكات قتالية جديدة، أبرزها الطائرات المسيّرة العاملة بالألياف الضوئية، بات يشكل ضغطاً متزايداً على إسرائيل والولايات المتحدة في ظل سعيهما لتحقيق مكاسب دبلوماسية على الجبهة اللبنانية، ضمن سياق التصعيد الأوسع في الشرق الأوسط.
الطائرات المسيّرة بالألياف الضوئية.. نقطة التحول الأبرز
وفقا للتقرير، فإن الأشهر الماضية شهدت تحولاً لافتاً في أداء حزب الله، تمثل في إدخال طائرات FPV المسيّرة العاملة بالألياف الضوئية إلى ساحة القتال. هذا السلاح الذي ذاع صيته في حرب روسيا وأوكرانيا، ظهر للمرة الأولى بيد الحزب في مارس الماضي، عقب استئنافه العمليات رداً على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير.
ووفق تقرير صادر عن "مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة ACLED"، استخدم حزب الله هذا النوع من المسيّرات في 21% من إجمالي هجماته خلال الخمسة أشهر الماضية، كما شاركت في أكثر من نصف 33 حادثة أسفرت عن إصابات مؤكدة في صفوف القوات الإسرائيلية.
كما ارتفعت نسبة الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، أو "الانتحارية"، إلى 24% من عمليات الحزب، مقابل 6% فقط خلال أكتوبر ونوفمبر 2024، إبان اشتداد المواجهات بعد الاجتياح الإسرائيلي، ووقف إطلاق النار اللاحق بعد عام من تدخل الحزب دعماً لهجوم حماس في أكتوبر 2023.
وشهدت وتيرة عمليات الحزب ارتفاعاً إجمالياً من 163 عملية شهرياً إلى نحو 199 عملية شهرياً في المرحلة الحالية.
وأوضح ناصر خضور، مدير الأبحاث المساعد لشؤون الشرق الأوسط في ACLED، لصحيفة "نيوزويك" أن "مسيّرات FPV مكنت حزب الله من إبقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحت ضغط عسكري مباشر، وإيقاع خسائر، والتنفيذ من مسافات أبعد وعبر مشغلين أقل عرضة للكشف".
وأضاف أن الحزب يسعى عبر ذلك إلى "الحفاظ على الضغط النفسي على سكان شمال إسرائيل، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي، وتشتيت سلاح الجو الإسرائيلي".سباق التكيف: من الكورنيت إلى الشباك الواقية دفعت الهجمات المسيّرة المتزايدة الجيش الإسرائيلي إلى تعديل تكتيكاته الميدانية.
وفي مايو الماضي، أعلن مسؤول في "لواء التكنولوجيا" بالقوات البرية الإسرائيلية عن تزويد الجنود في لبنان بـ "شبكات سلكية" مضادة للمسيرات المتفجرة.
وبلغ ما تم تأمينه حتى ذلك الحين نحو 158 ألف متر مربع من هذه الشباك، بما يعادل مساحة 20 ملعب كرة قدم، مع توقع وصول 188 ألف متر مربع إضافية.ويعكس ذلك نمطاً تاريخياً لحزب الله في ابتكار حلول غير متماثلة لمواجهة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. ففي حرب 2006 استخدم صواريخ "كورنيت" الروسية ضد دبابات "الميركافا".
وفي 2015 تم تطوير منصة "ثار الله" المزدوجة للالتفاف على منظومة "تروفي" الواقية. ومع الجولة الثالثة من المواجهة في أكتوبر 2023، أدخل الحزب صاروخ "ألماس-1" الإيراني، وهو نسخة مستنسخة من "سبايك-MR" الإسرائيلي، ويعتمد على كابلات الألياف الضوئية لتقنية “أطلق وانسى”، إلا أن المحلل العسكري حمزة عطار يرى أن هذه الأسلحة لم تصمد أمام الهجوم الإسرائيلي المفاجئ الذي "دمر معظم ترسانة الحزب" ودفعه للتراجع إلى ما وراء نهر الليطاني. وأشار إلى أن "الترسانة التقليدية باتت عتيقة وغير ملائمة لساحة المعركة، واستهداف المشغلين بات يشكل تهديداً وجودياً".
تجربة أوكرانيا
ومن هنا استلهم الحزب من تجربة أوكرانيا لتوظيف الألياف الضوئية في المسيّرات، بما يضمن عملها دون إشارات راديوية قابلة للتشويش.
ونقل "ميدل إيست آي" عن مصدر مقرب من الحزب قوله: "انتقلنا من تعزيز الجناح العسكري إلى الاعتماد على التكنولوجيا، والمسيّرات هي النموذج الأوضح..جيل الألعاب الإلكترونية في غرفة القيادة، ولفت التقرير إلى سهولة تدريب المشغلين الجدد، خاصة في ظل انتشار ثقافة ألعاب الفيديو بين الشباب اللبناني.
وقال عطار: “كل من هم دون الأربعين يجيدون عصا التحكم. الأمر لا يحتاج سوى محاكاة ثم تدريب ميداني”، مضيفا أن ميزة هذه المسيّرات تكمن في كونها "رخيصة، وأحادية الاستخدام، وقادرة على التحليق لفترة، ويصعب التصدي لها"، مشيراً إلى أن قدرتها على تقييد حركة الجيش الإسرائيلي ورفع كلفة بقائه تعني أن "الحزب متقدم بخطوة على مستوى فعالية الميدان".
وقال خضور إن "الولايات المتحدة دفعت باتجاه اتفاق ثلاثي في لبنان لفصل جبهته عن الصراع مع إيران، لكن بقاء حزب الله في المعادلة رغم تراجعه منح طهران ورقة نفوذ، وكشف عن تباين في الرؤية بين واشنطن وتل أبيب".
وأكد متحدث باسم الحزب لـ"نيوزويك" عقب اتفاق يونيو برعاية أمريكية: "أيدينا على أسلحتنا. ما دام الاحتلال قائماً فالمقاومة مستمرة. لم نشارك في أي نقاشات، ونحن ملتزمون بالرد إذا التزم الاحتلال".
في المقابل، نفى نتنياهو "الشائعات" حول انسحاب من لبنان وغزة، مؤكداً أن "العملية مستمرة بحذر وحزم إلى جانب الجيش للقضاء على التهديدات".
ومع تواصل الوساطة الأمريكية، أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية باستمرار القصف والمدفعية الإسرائيلية على جنوب لبنان، فيما نفذت إسرائيل غارات بعد مقتل جنديين بانفجار عبوة.
وخلص خضور إلى أن "تحدي إسرائيل لا يقتصر على حزب الله، بل يتعداه إلى احتمال انتقال هذه التكتيكات منخفضة الكلفة إلى جبهات أخرى مثل غزة والضفة الغربية".