لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تتحرك في مساحة مفتوحة من الاحتمالات، بقدر ما تبدو وكأنها تقترب من مفترق طرق واضح تختزل عنده واشنطن خياراتها في ثلاثة مسارات رئيسية: انتظار تدهور الوضع الإيراني، وتشديد الخناق الاقتصادي، أو الانتقال إلى الضربة العسكرية القاسية.

السيناريو الأول تدهور الوضع الإيراني
السيناريو الأول يقوم على مراقبة تدهور الوضع الإيراني وانتظار أن تؤدي الضغوط المتراكمة إلى إضعاف قدرة طهران على الصمود والمناورة، وهنا ، تراهن واشنطن على عامل الزمن؛ فبدلا من الدخول مباشرة في مواجهة عسكرية واسعة، يمكن ترك الاقتصاد الإيراني يواجه تداعيات الحرب والعقوبات وتراجع صادرات النفط والاضطرابات المالية والسياسية.
لكن هذا السيناريو يحمل مخاطرة أساسية، فالأنظمة تحت الضغط لا تستجيب دائما بالطريقة التي يتوقعها خصومها؛ وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التصلب، بدلا من دفع القيادة الإيرانية إلى التراجع.

السيناريو الثاني تصعيد الحصار الاقتصادي
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تصعيد الحصار الاقتصادي وتكثيف العقوبات والضغط على مصادر الدخل الإيرانية، وتملك واشنطن في هذا المسار ترسانة من الأدوات لا تقل أهمية عن الأسلحة التقليدية؛ مثل: العقوبات، الضغط على صادرات النفط، استهداف شبكات التمويل، ومحاصرة قدرة إيران على الوصول إلى الأسواق العالمية.
غير أن الاقتصاد الإيراني، رغم تعرضه لضغوط عميقة، أظهر خلال العقود الماضية قدرة على التكيف مع العقوبات.

السيناريو الثالث توجيه ضربة قوية
أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو الانتقال من سياسة الضغط إلى القوة العسكرية المباشرة، فترامب لم يخف استعداده لاستخدام القوة، بل وجه في مناسبات مختلفة تهديدات صريحة بضرب إيران بقوة إذا فشلت المفاوضات أو استمر إغلاق مضيق هرمز.
لكن الضربة القوية ليست بالضرورة نهاية الأزمة، فأي هجوم واسع قد يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات المتبادلة، تبدأ بالرد الإيراني، ولا تنتهي عند استهداف المصالح والقواعد الأمريكية أو تهديد الملاحة والطاقة في المنطقة.

لعبة ضغط متعددة الطبقات
ويبقى السؤال: ماذا بعد تدهور الأوضاع ؟ وماذا بعد تصعيد الحصار ؟ وماذا بعد توجيه الضربة ؟ .. المشكلة بالنسبة إلى ترامب أن الخيارات الثلاثة ليست منفصلة تماما، فالضغط الاقتصادي يمكن أن يترافق مع تهديد عسكري، والتهديد العسكري يمكن أن يستخدم لدعم المفاوضات، ولهذا، تبدو الاستراتيجية الأمريكية أقرب إلى لعبة ضغط متعددة الطبقات؛ عقوبات في الخلفية، حصار اقتصادي في المقدمة، وقوة عسكرية جاهزة للانتقال إلى الميدان إذا فشلت أدوات الردع الأخرى.

لم تعد المعركة بين الولايات المتحدة وإيران تدور فقط حول من يملك القدرة على إيلام الآخر ، وإنما حول من يستطيع الصمود أكثر، ومن يملك القدرة على فرض شروط النهاية عندما تهدأ أصوات الصواريخ وتعود المفاوضات إلى الطاولة.