اعتمدت وزارة الأوقاف المصرية خطبة الجمعة القادمة، الموافقة الأول من ربيع الأول لعام 1448هـ ، الموافق 14 أغسطس لعام 2026 ميلاديًّا، لتكون بعنوان "الإحسان إلى المحتاجين بين صدق العبودية وجمال السلوك"، ضمن سلسلة "زاد الأئمة والخطباء" التي تصدرها الوزارة بشكل أسبوعي، وذلك في إطار مساعيها المستمرة لتصحيح السلوكيات الخاطئة المرتبطة بتقديم المساعدات المجتمعية، وفي مقدمتها التشهير بالمحتاج أو المنّ عليه أو جرح مشاعره، مؤكدة أن الإحسان الحقيقي لا يكتمل إلا بحفظ كرامة الإنسان.
المحور الأول: الإحسان دليل الرُّقي وامتداد للهدي النبوي
استهلت الخطبة محاورها بالتأكيد على أن الإحسان إلى المحتاجين يُعد دليلًا على رُقي صاحبه، وأن نشر بذور الرحمة والعطاء هو الأساس في بناء مجتمع تكافلي آمن يحصّن نفسه من مخاطر الفقر والأنانية المدمرة، موضحة أن المؤمن الحق هو من يلازم البذل في جميع أحواله، ويستشعر متعة العطاء في حركاته وسكناته طلبًا للأجر العظيم، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
وانتقلت الخطبة إلى الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في جود العطاء، مبينة أن عطاءه عليه الصلاة والسلام لم يكن يومًا تمنّنًا، ولا مروءته تكبرًا، بل كان غياثًا ورحمة لكل محتاج، وأنه كان يتفقد الضعفاء ويغمرهم بلطفه وعنايته، مستشهدة بالحديث الشريف الذي سأل فيه رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله، فأجابه عليه الصلاة والسلام: "أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سرورٌ تُدخِلُهُ على مسلمٍ، أو تكشفُ عنهُ كُربةً، أو تقضي عنهُ دَيْنًا، أو تطردُ عنهُ جوعًا".
وتناولت الخطبة بعد ذلك ضرورة إعطاء الصدقة حقها مع حفظ كرامة المحتاج، معتبرة أن الأدب في العطاء ثمرة نفس راضية وعقل حكيم يمنع الضرر قبل وقوعه، محذرة من مظاهر التعدي بالمنّ والأذى التي تُدمي القلب وتنافي أدب الإسلام، وفي مقدمتها التشهير بالمحتاجين وتصويرهم أثناء تسلّم المساعدات، ونشر صور التبرعات على وسائل التواصل الاجتماعي بغرض الاستعراض، وإذلال المحتاج أثناء تسليم العطاء، مؤكدة أن هذه الأفعال تُعد تجاوزًا للانضباط الإيماني وماحقة للأجر والثواب، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
الخطبة الثانية « حسن توصيل الصدقة دون جرح مشاعر المحتاج»
خُصصت الخطبة الثانية لمحور "احرص عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور أخيك المحتاج"، حيث أكدت أن الصدقة لا تُسقط كرامة المحتاج، وأن الفقر وإن أضعف قدرة الإنسان على بعض شؤون حياته، فإنه لا ينقص من قدره ولا يسلبه كرامته، باعتبار أن الكرامة الإنسانية أصل ثابت لا يتغير بتغير الحال، موضحة أن الشريعة أحاطت باب الإحسان بضوابط تجعل العطاء جبرًا للخواطر لا كسرًا لها، ومواساة لا مِنّة، وتكافلًا لا استعلاءً، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ".
واختُتمت الخطبة بالتأكيد على أن إخفاء الصدقة وحفظ كرامة المتعففين خير للمتصدق في دينه ودنياه، لأن الإخلاص يصون العمل من الرياء، وسترَ المحتاج يُبعده عن ألم التشهير والاستعراض، داعية إلى جعل العطاء أمانة عظيمة تُحفظ بها القلوب وتُكتسب بها الدعوات، مستشهدة بالحديث الشريف: "ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها، حتَّى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنفقُ يمينُهُ"، وختمت بالدعاء بأن يحفظ الله مصر وأهلها من كل مكروه وسوء.